الرؤية الوطنية للحل
قراءة في رسالة
الدكتور محسن عبد الحميد
رئيس مجلس شورى الحزب الإسلامي العراقي
طرح الحزب الإسلامي العراقي ومنذ وقت مبكر رؤيته الخاصة بالوضع العراقي والحل الذي يراه كفيلاً بإخراج البلد من المأزق الذي يعيشه منذ 9 / 4 / 2003.
فبعد سقوط العراق تحت سيطرة القوات الأجنبية المحتلة دأب الحزب على تبيان موقفه مما يحدث في جميع المحافل واللقاءات العامة والخاصة ، ومن خلال تنبيه العراقيين إلى خطورة المرحلة الراهنة وضرورة التكاتف والتوحد من أجل تحقيق الاستقلال والحرية للوطن الجريح .
ومن وثائق الحزب الإسلامي بهذا الخصوص، الرسالة التاريخية المهمة التي بعثها فضيلة الدكتور محسن عبد الحميد رئيس مجلس شورى الحزب إلى أبناء شعبنا لمناسبة تسمنه رئاسة مجلس الحكم وعيد الأضـــحى المبــارك بتـــاريخ 12 / 2 / 2004 .
ولهذه الرسالة أهميتها الفائقة كونها تنبع من نظرة ثاقبة وتحليل دقيق للأمور وأسس للحل وضعها الحزب الإسلامي العراقي منذ ذلك التاريخ وأثبتت الأيام صحتها وضرورة الالتزام بها .
ومن خلال قراءة الرسالة والتمعن فيها يمكننا وضع المؤشرات الآتية :
أولاً : تشخيص دقيق
لقد ابتدأت رسالة الدكتور محسن عبد الحميد رئيس مجلس شورى الحزب الإسلامي بتشخيص الواقع بشكل دقيق وتسجيل العوامل التي أنتهت بالعراق إلى هذا الوضع المرير .
ففي البدء أكد الدكتور عبد الحميد أننا ( نمر بمرحلة صعبة جدا، ومعقدة جدا ) وذلك بسبب سيطرة القوات المحتلة على بلدنا وتدمير كل أشكال الدولة فيه من مؤسسات ووزارات وجيش عريق حماه لعقود طويلة .
وإذا كان لتلك القوات المحتلة مصالحها وحججها الواهية التي دمرت بها البلاد وانهكت العباد فإن ذلك وحده ليس هو السبب ، فالنظام السابق يتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية فيما حصل :
( ترك لنا النظام السابق ــ يقول الدكتور عبد الحميد ــ تركة ثقيلة، وكارثة إنسانية واقتصادية وبيئية كبيرة أتت على الأخضر واليابس وأخرت تقدم الأمة وأحدثت شرخا كبيرا في أوضاعنا الداخلية والخارجية، وأسلمتنا إلى الاحتلال ) .
فالاحتلال إذن هو نتيجة لتراكمات كثيرة وكبيرة امتدت لسنوات طويلة كانت نهايتها المأساوية الوقوع تحت سيطرته وهيمنته .
ولكن هذا الواقع المر لم يكن ليعني التوقف عن العطاء والبذل والسعي الحثيث من أجل انهاء الأزمة عبر تضافر الجهود الوطنية المخلصة لتحقيق هذا الهدف النبيل والمهم ، أبداً بل هو دافع لنا للمواصلة والبقاء نقدم كل ما لدينا من اجل بلدنا العزيز .
****
ثانياً : الوحدة والتكاتف
ولقد كان الدكتور محسن مدركاً أن في مقدمة التحديات التي ستواجه العراق بعد سقوط النظام السابق وحدة أبنائه وترابه والمحافظة عليهما ، وإن التنوع العرقي والديني والطائفي والمذهبي سيكون باباً يلج منه كل اصحاب المشاريع الخبيثة التي تريد للعراق السوء وتواصل مكرها ليل نهار من اجل تحطيمه واغراقه في بحور الفوضى والاقتتال الداخلي عبر إثارة الفتن الطائفية والعرقية المقيتة .
ولذلك اكدت الرسالة ومنذ ذلك الوقت المبكر أن (الوضع الخطير الذي نمّر به يتطلب الوحدة والتساند، من أجل اجتياز هذه المحنة ).
فالخطوة الأولى في طريق انهاء هذا الوضع المأساوي يتمثل في كلمتين الوحدة والتكاتف والعمل الجماعي الوطني من اجل اجتياز المحنة ، فبدون تحقيق هذين الأمرين لن ينفع أي عمل أو جهد لأنه سيكون مشتتاً وفئوياً ولا يعمل لصالح العراق ككل .
ولذلك فالمتابع لجهد الحزب الإسلامي العراقي يدرك بوضوح أنه جعل هاتين الكلمتين منهاجاً له وشعاراً لعمله يسير على ضوئها كل حين ، فسعى بكل ما لديه من طاقة لجمع العراقيين كافة تحت راية الوطن الواحد من الشمال والوسط والجنوب دون أي تفرقة أو تمييز ، وكان هدف لمّ الشمل وتوحيده هاجساً يلح عليه كل حين ولن يهدأ له بال حتى تحقيقه .
****
ثالثاً : أسس ومرتكزات العمل
كان وضع الاحتلال الطارىء والحال الصعب والخطير الذي آل اليه العراق حاضرٌ بشكل دائم في فكر الحزب الإسلامي العراقي وقياداته وعبر مجموعة من الخطوات العملية الكفيلة بنجاح المشروع الوطني الذي يرفعه الحزب ويعمل من خلاله على الارتقاء بالوطن الحبيب وأبناء الشعب الكريم وتحقيق الخلاص النهائي والتام من الوضع الراهن .
ولذلك كانت رسالة الدكتور محسن عبد الحميد تنطوي على أسس للعمل في هذه المرحلة ، ولا بد لكل من يقرأ الرسالة أن يدرك تلك النظرة الثاقبة لصاحبها والتي أشرت على مواطن الخلل منذ ذلك التاريخ ووضعت الحلول الناجعة التي لو نفذت في وقتها لكان تغيراً كبيراً جداً قد طرأ على المشهد العراقي ولكن للأسف أن ذلك لم يحدث لأسباب كثيرة من بينها تغليب المصلحة الخاصة على مصلحة الوطن من قبل بعض الجهات وضبابية الرؤية لدى الآخرين ، وها نحن اليوم نجد وبعد خمس سنوات على الاحتلال الأطراف السياسية العراقية تعود إلى ذات المبادئ التي رفعها الحزب ورئيسه في عام 2004 وينادون بضرورة تطبيقها وذلك بعد أن دفع العراقيون ثمناً باهضاً من دمائهم على يد الميليشيات الارهابية والعصابات المأجورة .
لقد رسم الدكتور محسن صورة شاملة لدولة القانون التي ينشدها ويدعو لها الحزب الإسلامي العراقي ، وذلك عبر رزمة من الحلول والمبادى التي وردت في الرسالة ومثلت خطوة ضرورية لتحقيق وضع آمن مستقر ومستقل :
وفي مقدمة تلك الأسس ( ضرورة الالتفاف حول برنامج وطني يقوم على وحدة الشعب العراقي) وذلك لأن لاتفاق على برنامج عمل موحد ووطني يختصر الكثير من المراحل ، ولعلنا اليوم نعاني من ذلك التقاطع في الرؤى والتضارب في المواقف والتوجهات والذي لن يوقفها سوى العمل وفق برنامج متفق عليه من حيث الأهداف والمبادىء والأسس التي ينطوي عليها .
وهذا البرنامج الوطني لن يكتب له النجاح والبلد واقع تحت سلطة الاحتلال ، فأكدت الرسالة على موقف الحزب الإسلامي العراقي المبدأي من هذه القضية حيث شددت على ضرورة ( استرجاع السيادة الوطنية وإنهاء الاحتلال وعدم السماح بتأخير ذلك تحت أية ذريعة) ، مع التذكير بموقف الحزب من جدولة انسحاب القوات الأجنبية والذي ربطه بجدولة بناء قوات مسلحة عراقية على أساس مهني ووطني .
ومثلما ذكرنا سابقاً فإن التنوع الاجتماعي للشعب العراقي كان هدفاً وسبيلاً لبعض الجهات المغرضة والمأجورة لإثارة عوامل الفرقة في حين أن ذلك التنوع من الممكن أن يكون مصدر إثراء ومرونة في العمل الوطني وهو ما اكدت عليه الرسالة بالتأكيد على ضرورة : ( نبذ عوامل الفرقة العنصرية والطائفية ) و (احترام الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، مع الاحتفاظ بحقوق جميع الأديان والطوائف الأخرى) و (احترام الحقوق السياسية والثقافية لجميع القوميات التي يتكون منها الشعب العراقي ) .
إن ترصين البناء الداخلي بعد وضع برنامج العمل يمثل الركيزة الثانية في مشروع العمل الذي تطرحه الرسالة .
ولو انتقلنا إلى الميدان السياسي ، فإن الرسالة شددت على (السعي من أجل حكومة منتخبة وقيام تعددية سياسية ، والتداول السلمي للسلطة) وتغدو الحاجة ملحة لتطبيق هذه الخطوات من اجل انهاء عهد التفرد والاستبداد وسيادة الإقصاء والتهميش السياسي الذي مارسه النظام السابق وظل سمة رئيسة للعمل حتى بعد سقوطه .
بعد ذلك رسم الدكتور محسن عبد الحميد في رسالته تصوراً للبناء الداخلي الجديد الذي نطمح له وفي المقدمة بناء القوات المسلحة ، حيث ركز على وجوب أن يكون ( بناء الجيش والشرطة على أسس سليمة وأنصاف منتسبيها السابقين بإعادة النظيفين المخلصين منهم وإعطاء التقاعد لغيرهم ممن لم يرتكبوا جرائم بحق الشعب العراقي ) والكل متفق اليوم على إن من أبرز أسباب التدهور الأمني الحاد الذي عاشه العراق خلال السنوات الماضية تمثل بفقدان التوازن في القوات المسلحة واختراقها من قبل عناصر الميليشيات الإرهابية التي تسترت طويلاً بالزي الرسمي لتركتب جرائمها بحق أبناء الشعب العراقي .
ومسألة انصاف المنتسبين السابقين لتلك القوات ممن لم يرتكبوا جرائم بحق العراقيين يندرج في أحد اوجهه تحت بند تحقيق العدل ، فدولة بلا عدل وتقوم على أساس الظلم والجور مصيرها الانهيار مهما طال عمرها ، كما إن ذلك يحقق مفهوم المصالحة الوطنية بأبهى صوره ، ولذلك أكدت الرسالة على إن (اجتثاث البعث ينبغي ألا يكون وسيلة للانتقام وتصفيات الحسابات، بالتعامل بالعدل مع الذين لم يسيئوا إلى الشعب والوطن في ظل المصالحة الوطنية ) .
وجاءت المبادى الأخرى بهذا الجانب تؤكد على ( سيادة القانون واستنكار الاغتيالات وضرورة وضع حد لها ) و ( إنهاء التجاوزات الفردية والحزبية على مؤسسات الدولة وممتلكاتها ) مسجلة سبقاً تاريخياً بأن الحزب الإسلامي العراقي اول من طالب بضرورة صيانة مؤسسات الدولة والحفاظ عليها .
ولم تغفل الرسالة الجانب الاقتصادي ، حيث ركزت على ملف إعادة الإعمار وطرحت مفهوماً شاملاً للموضوع بجعل إعادة بناء العراق ومؤسساته ( مهمة وطنية ) وتمتد لتشمل (إعمار الإنسان وإعمار الوطن كله) ، كما نبهت على ( ضرورة معالجة الفساد الإداري الذي استشرى في خلايا المؤسسات ) ولا زال يشكل عقبة في طريق التقدم والازدهار للوطن الحبيب .
وفي ملف العلاقات العامة اشارت الرسالة إلى ضرورة ( تأكيد حسن الجوار وتحسين علاقات العراق العربية والإسلامية ، و تطوير علاقات العراق الدولية ) وذلك ليكون حسن الجوار بديلاً عن التدخل الخارجي الذي أنهك البلاد لحسابات إقليمية وأشعل نيران الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، وليتأكد انتماء العراق العربي والإسلامي الذي لن تغيره محاولات البعض سلخه عن ذلك المحيط ، وليعود العراق يؤدي دوره المؤثر بين باقي الدول العربية والعالمية .
****
وصية ثمينة
وجاء ختام رسالة الدكتور محسن عبد الحميد وصية ثمينة قدمها رئيس مجلس شورى الحزب الإسلامي العراقي لأبناء شعبنا ، حيث قال مخاطباً العراقيين كافة :
( إننا نحتاج لاجتياز هذه المرحلة الصعبة إلى الإيمان والعمل الصالح والاستغفار الشامل عن الذنوب، والدعوة إلى الله تعالى أن يوفق المخلصين لإتمام خطوات السيادة الكاملة، كي يعود الشعب العراقي عزيزا منيعا رافع الرأس بين الشعوب والأمم وما ذلك على الله بعزيز ) .
لقد كانت الرسالة رؤية متكاملة للحل ..
مبادئ وأسس للعمل الوطني الموحد ..
خطوة مبكرة ..
ونظرة ثاقبة ..
لعراق واحد مزدهر مستقل ..