في إجتماع للمجلس التنفيذي ، الهاشمي يبحث مع عبد المهدي والمالكي الإتفاقية الأمنية والأوضاع في ديالىإياد السامرائي : لقاءاتنا مستمرة مع الأمم المتحدة وعدد من سفراء الدول المعنية بموضوع كركوكالسامرائي : مجالس الصحوة كان لها الفضل في إنهاء الإرهاب ولم نرَ شيئاً من وعود الحكومة بإستيعابهاالنائب سليم عبد الله يدعو الحكومة للحديث بوضوح عن الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة / راديو سواعمر عبد الستار الكربولي : مكونات محافظة كركوك الأساسية هي من تقرر مصيرهاالهاشمي يشدد على أهمية الخطاب المنبري وضرورة إحياء دور المساجد في إصلاح واقع الحالعلاء مكي : وزارة التربية لم تستجب لمقترح لجنة التربية والتعليم بخصوص تحسين معدلات الطلبةوفد أممي يزور كركوك للاستماع إلى آراء القوى السياسية / وكالاتجبهة التوافق العراقية تتحفظ على الإجراءات القانونية والتحقيقية بحق الدكتور اسعد الهاشمي وزير الثقافة السابق / وكالاتعبد الكريم السامرائي : نتمنى أن يبتعد لواء المثنى عن التصرفات التي لا تليق بسمعة الجيش العراقي
استفتاء    





مقــــــــــــــالات

وأفكـــار ..         

 

أهدوا ثواب سورة الفاتحة إلى الدستور /  د. عمـــــار وجيه

قال السيد مسعود البارزاني قبل بضعة عشر يوماً: إذا ماتت المادة 140 مات الدستور. ويبدو أن السيد البارزاني لا يعلم بأنّ الدستور العراقي رحمه الله قد مات منذ ألقته سيارات الحمل (الداينا) في قمامة منطقة الإسكان قبيل التصويت عليه.
ومن الطريف أن وكالة الصحافة الفرنسية بعد التصويت على الدستور سألتني عن رأينا فيه فقلت: إنه دستور المرجعيات والأحزاب وليس دستور الجماهير لأنّ المثقفين لم يفسح لهم مجال ليقرأوه فكيف بسائر الناس؟
على كل حال، لم أجد وصفاً أجمل من وصف الأستاذ الهاشمي عندما قال: إن تصويتنا على المادة 142 والتي تسمح بتعديل الدستور كان بمثابة من ينقل الدستور المريض إلى غرفة الإنعاش ، وهذا هو أصل موافقتنا على تمريره لأننا أدركنا بأن التوافق مع الشركاء وتصويب مشاريعهم التي كتبوها وهم مرعوبون خير من التقاطع والتنافر الذي ربما ينتهي إلى كارثة إنسانية أشدّ من التي شهدنا.
ولعلكم تظنون أني سأشنّ اليوم حرباً على الدستور ؟ كلا فذلك أمر مضى عليه وقت طويل، وإنما أردت أن اكشف ضخامة المهزلة التي نحن فيها ، وكما قال صاحب المثل (تريدوها صغار صغار ... تريدوها كبار كبار)، فقائد شرطة البصرة ينقل خلافاً للدستور للضرورة الشعرية ، وقائد شرطة الحلة يعيّن خلاف الدستور للضرورة النثرية ، وقوات مكافحة الإرهاب تدهم محافظة ديالى فتبتلع من تبتلع رغم أنف قادة العمليات ومجلس المحافظة أيضا وهو مخالف للدستور وذلك لضرورة الوزن والقافية ، والمضحك المبكي أن جميع المسؤولين ينكرون أن هذه القوة عائدة لهم . سبحان الله ، يبدو أنها خرجت من بطن الحوت فابتلعت المواطنين كما ابتلعت غيرهم قبل سنين ثم ابتلعها الحوت مرة أخرى!.
 إنني أشفق على دستور كتبه أقوام وهم وجلون .. خائفون أن يعود إليهم (الطنطل) مرة أخرى ، ويفترض بهم أن يعتنوا بكتابته أشدّ العناية ، غير أننا فوجئنا بأنّ بعضهم أخذ يعارض بعضاً ، هذا يقول : نريد فيدرالية وذلك يتراجع، وهذا يريد حقولاً واستثمارات والآخر يرفض ، وهذا يريد تعليماً خاصاً أو لغة محلية للتعليم ويحكم على اللغة العربية بالإعدام أو نحوه والآخر يعارض!!
ترى ما الذي حصل مؤخراً ؟ ولو قيل إنّ جبهة التوافق وحدها تعترض لكان الأمر مقبولاً لأنهم دخلوا بشرط التعديل ، أما أن يعترض من خطه بقلمه ووضع له ديباجته و(جنجلوتيته) فإنّ هذا لأمر عجاب . وكأننا نعيد سيرة بني إسرائيل ((أوَ كلما عاهدوا عهداً نبذه فريقا منهم بل أكثرهم لا يؤمنون)).
أما إذا كان من (يخربط الغزل) هم الأمريكان أو الموساد أو دول الجوار فهل بلغ بنا الجبن والخور أننا نخشى أن نقول هذه الكلمة؟ فإذا لم يشأ المسؤولون أن يصرّحوا بها فليومئوا في الأقل كي يفهم الشعب إشارتهم . ثم أي ضابط سيضبط أمر العراق وأي احترام سيكون للدستور وللديمقراطية وللعملية السياسية إذا كنا ننقض غزلنا بأيدينا ؟ ألا نخشى أن ينقلب السحر على الساحر؟
تخيلوا مشهد أم تحاور ولدها بعد عشر سنين قائلة : بنيّ لا تخلف الوعد .. بنيّ لا تكذب .. بنيّ لا تسرق .. بنيّ احترم النظام ، فيجيب متهكماً : الزعماء خانوا العهود والمواثيق .. وكذبوا .. لا .. عفواً .. بل حوّلوا بلادنا إلى كذبة كبيرة .. وسرقوا كلّ ثمين وتركوا لنا كلّ بخس .. وخدعونا بالديمقراطية الجوفاء بعد أن حلمنا بها سنين عجافاً .. وإذا بالبرلمان دمى .. وإذا.. بمجالس المحافظات أحجار على رقعة الشطرنج .. وإذا.. وإذا ..
كيف نمضي بسفينة العراق قـُدماً من دون شعبٍ يوالي، ودستورٍ يوحّد ، وقانونٍ يحتـَرم ، وجيشٍ يدافع ، ووزارةٍ تخدم، وحرّيةٍ تنعش؟ هيهات .. هيهات .
قلت مرة لأحد السياسيين : هل تابعت يوماً برنامج المطبخ في إحدى القنوات الفضائية ، قال : نعم . قلت : وهل رأيت طباخاً يصنع كعكة العرس بمقادير صحيحة إلا من البيض فإنه يخلط بيضة واحدة ؟ قال : غير معقول . قلت : سيدي ، أنتم الزعماء تريدون أن تصنعوا كعكة العراق الجديد ببيضة واحدة !!
فضحك مليّاً ، وقال : كيف ؟ قلت إنّ ألذ ّ ما في الكعكة هو البيض ، وإنّ الشعب هو البيض ، فإذا كان شعبكم غاضباً وجائعاً وعارياً وعطشانَ ومعتقلاً ومهجّراً ومضطهداً ومهملاً ومبتزّاً ومحتقراً ومقسّماً ومتخاصماً .. وفوق هذا وذاك لا تحترمون دستوره .. فكيف تصنعون كعكة عرسكم ؟

****

حق تقرير المصير /  أ. بهاء الدين النقشبندي

في علم الاجتماع السياسي هناك الكثير من الكلام عن العرقيات ethnics والقوميات nationalisms والفرق بين المصطلحين معروف، فالقومية قد تتشكل من عرق واحد او من اعراق متعددة، ، وربما كان البت في موضوع حق تقرير المصير لعرق ما أو قومية ما من اعقد الموضوعات التي تظلل مساحة واسعة في السياسة والعلاقات الدولية، ولا تزال الى الآن الكثير من الملفات المفتوحة والمشكلات التي لم تجد لها حلولاً في هذا الباب، ومنذ أن اعلن الرئيس الامريكي ودرو ويلسون مبادئه الاربع والعشرين حول تحقيق السلم الدولي عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى والتي كانت تضم حق تقرير المصير للشعوب والامم، اشتعلت الكثير من الحروب البينية والحروب الداخلية في العالم كله من اوربا الى اسيا الى افريقيا.
 والسؤال المطروح هنا : هل من حق اي عرق أو قومية ان تتخذ من مبدأ حق تقرير المصير حجة في الانفصال عن الأوطان وتشظية البلدان القائمة ؟ .
في بداية القرن الحادي والعشرين كانت دعاوى المطالبة بحق تقرير المصير لدى الامم المتحدة تتجاوز المائتي دعوى ، كما ذكر بطرس غالي الامين العام السابق للامم المتحدة.
السؤال الآخر الذي يثار هنا، هو هل من حق الحكومات المركزية ان تستعمل القوة لاخماد الدعوات المطالبة بالاستقلال والانفصال التي تقوم بها العرقيات والقوميات المختلفة؟ وهل هناك معايير ثابتة تخص هذه المطالبات، أم ان المعايير غير ثابتة؟ وربما كانت مزدوجة او ثلاثية او متعددة الى ما لايعلم مداه إلا رب السموات والارض جل جلاله .
لا شك ان امتدادات الموضوع واسعة ومتشعبة ومليئة بالاشواك والامثلة كثيرة ولا مجال لسردها، لكن العبرة في كل ذلك هي تحقيق مصلحة الانسان اولا واخيرا فهو الهدف وهو الغاية ولا غاية سواه .

****

برتقال أم طحال !! /  د. عمــــار وجيه

ربما يتغنى الشعراء بقلب العراق النابض بغداد ، ويتصارعون على الكبد الذي يقع غرب الجسد ، أهو الأنبار أم كربلاء أم كلتاهما . لكنّ طحال العراق لا أحد يتنبه إليه شأنه في ذلك شأن الطحال في جسد ابن آدم يجهل الكثير حقيقة فائدته ولربما يزهدون به . فإذا أدرك الناس أن الطحال له أربعة فوائد هل كانوا يهملونه ؟ إنه مقبرة الكريات المصابة بالشيخوخة ، ومصفى للأجسام الغريبة ، ومخزن احتياطي للدم ، ومصنع للمناعة . فيا ترى هل للعراق طحال وأين يكون ؟ إنه شجرة برتقال  ترقد تحت فيء ضلوع كركوك وحجاب السليمانية ... إنها ديالى .. أمّ البرتقال وأمّ الثمر .. وهي الطحال أيضاً لأنها مقبرة الغزاة الطامعين ، ومصفىً للعملاء المتسللين ، ومخزن للدماء الشابة ذوات السواعد ، ومصنع للرجال الذين يمنعون العراق من داء التشرّق والتغرب ، كما أنها مزرعة الحمضيات التي تجود على البدن بأنواع المناعة .
 ولعله من قدر الله أن تنزوي هذه الدوحة النضرة في خاصرة العراق لأمر يريده  سبحانه . فالمسافر الذي يقصد الشمال ، يمرّ ليفطر في بيجي ويتغدى في نينوى قبل أن يعانق الجبل ، أو يفطر في الطوز ويتغدى في أربيل قبل أن يستنشق عبير شقلاوة الممزوج برائحة التين . أما ديالى فلا يزورها إلا أهلها ، أو عشاق بساتينها ، أو السياح ذوو الأذواق الذين يطيب لهم أن يجوبوا شهربان وجلولاء وكلار ودربندخان قبل أن تحطّ رحالهم في السليمانية .   هذه هي زاوية البرتقال .. سلال ليمون وأترُجّ .. ورمانٌ يتغنى به أهل السليمانية بلغتهم فينادي بائعهم الجوال:( هـَنار لـَشهربان.. هـَنار لـَشهربان ) وخوخ وأعناب .. ولوبياء مترعة بماء ديالى العذب الرقراق ، وما لطعمها شبيه في كلّ العراق .. ليس خيرات فحسب بل جود وقـِرى تمتاز به جميع قبائلهم التي تمازجت لتحمل في أرحامها الأرومة العربية والكردية والتركمانية .. لأنهم لم يكونوا يفرّقون .. وإنك لتعجب حين تتحرك نحو سفوحها الشمالية فتسمع لهجة عربية بنكهة كردية .. وترى عقالاً عربياً على وجه مشرّب بالجمال التركماني أو الكردي .
  وعندما تراجع تاريخ المدينة فلا ترى شيئاً من العداوة يذكر .. فلا تهجير قسريّاً .. ولا ثارات بين الناس .. ولعلها في هذا تختلف عن نظيرتها كركوك التي عانت ما عانت .. لكنّ تحديات ديالى تأتي من خارجها فهي جارة لجارٍ عنيد ، وفي رأسه ما يريد .. كم إنها محاطة بجميع القوميات والطوائف .. فشمالها الكرد .. وغربها العرب السنة وجنوبها العرب الشيعة .. وهؤلاء وإن كانوا مؤتلفين ، لكنّ ريح المكر عبثت بعقول بعضهم فعبثوا بالغابة السوداء وجردوها عن بعض ثيابها طاعة لمن عبث بعقولهم . .. ويا لحزني على تلك الجنان الباسقات .. فنهرها اليوم لا يجري ، وبساتينها لا تثمر ، وأسواقها لا تفتح ، وأراضيها جرداء مقفرة إلا من القليل .. رجالها الصادقون في السجون .. ونساؤها يحملن هماً ناءت بحمله الجبال الراسيات .. وخطة بشائر الخير جاءت لتزفّ البشرى لكنها وضعت في الشراب الملح بدلاً عن السكر فغصت بأجاجهِ حلوق الملهوفين .. لماذا أيها القائمون على الأمن في العراق ؟ وماذا تريدون ؟ هل زهدتم بجمال المدينة ونضارتها ؟ أم تريدونها جسراً تعبرون منه إلى غيرها وليكن بعدها الطوفان ؟ .. لن أقول لكم سوى كلمة واحدة : تذكروا أن نهر ديالى يأتي من العيون وأنّ ماء العيون يأتي من الغيث وأن السحاب بيد خالقه يسوقه كيف يشاء وأن الظلم يحبس المطر .. فراجعوا أنفسكم قبل أن يصرف الله تعالى عن بلدنا الغيث ويسوقه إلى غيرنا !! .

****

دعوة الى احياء فقه المقاصد /  أ. بهاء الدين النقشبندي

ربما كان العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور أول من كتب في فقه المقاصد في عصرنا الحديث بعد ان ظل هذا الفقه قروناً طويلة حبيس كتاب الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق الشاطبي يرى ابن عاشور ان عقائد الإسلام وتعاليمه وتشريعاته تدور حول أربعة مفاهيم أساسية هي:
1- الفطرة: ويعرفها بانها الحالة التي خلق الله عليها عقل النوع الإنساني سالماً من الاختلاط بالرعونات والعادات الفاسدة ويقول عنها : إنها حالة صالحة لصدور الفضائل عنها .
  ومصطلح الفطرة هو ما يعبر عنه بمصطلع الطبيعة الإنسانية الشائع في الفكر الفلسفي والدراسات الاجتماعية الوضعية .
2- السماحة:  ويعرفها بإنها سهولة المعاملة في اعتدال ويقول عنها أنها راجعة الى معنى الاعتدال والعدل والتوسط . وفي هذا المفهوم يشير الى ان علماء الشريعة قد اقتصروا في بحثهم لمفهوم الرخصة على ما يخص الأفراد ولم يعرجوا على ان مجموع الأمة قد تعتريه مشاق اجتماعية تجعله بحاجة الى الرخصة ، ولعمري ما أعظم فهم هذا الرجل فهذا الفهم الدقيق لم نسمعه من علماء عصرنا لان كل ما أفتوا به في هذا المجال هو فقه الرخص للأفراد ولم يفطن احد منهم الى ان الأمة كالفرد يعن لها مايعن للفرد وهي بذلك أولى وأجدر منه في اتيان رخصة الشارع لان القاعدة الأصولية تقول ان العام مقدم على الخاص .
3- الحرية:  ويرتبط بها مفهوم المساواة كذلك ويقول عنه ابن عاشور بأنه وصف فطري نشأ عليه البشر ، وبه تصرفوا في أول وجودهم على الأرض حتى حدثت بينهم المزاحمة فحدث التحجير .
وهنا يربط الشيخ بين مفهومي الحرية والفطرة  فالحرية من سمات الفطرة وأي حجر عليها حجر على الفطرة التي جبل الله الخلق عليها، وبالتأكيد لانقصد بالحرية - هنا -  الحرية المطلقة وإنما حرية الضوابط التي اقرها الشارع الحكيم .
4- الحق : (بمعناه الاجتماعي القانوني، ويرتبط به العدل ) ويقول عنه ابن عاشور انه شرط استقرار المجتمع وتوازنه واستمراره ويقول عن العدل : انه تمكين صاحب الحق من حقه.
هذا غيض من فيض من هذا الفقه الجليل الذي لو تعلمناه لدلنا على الطريق القويم وجنبنا المزالق والأهواء وما أكثرها في أيامنا هذه ! .

****

بشمركة .. عرب /  د. عمــــار وجيه

(طلقة بكصة) ... هكذا ترددت الكلمات عندما كنا نستمع إلى روايات الصراع بين الكرد والحكومة المركزية أيام السبعينات. يقال دوماً: عندما يوقد الجندي العراقي نار سيكارته ليلاً تأتيه الرصاصة في جبهته ولا تخطئ.
النهار في كردستان ينعم بالهدوء يومئذ، وكأن شيئاً لم يكن.. فإذا جن الليل فإن جن الجبال يخطفون (أبا خليل) الواحد تلو الآخر ... إنهم البشمركة وإنها أسطورتهم ... وإنها القضية ... يدافعون عنها ويبررونها ويقولون إنها مظلومية أمنا بعدالة قضيتها.
وحين تجالس دائرة التوجيه المعنوي أو السياسي تسمع كلاماً آخر ... فهم عندهم انفصاليون عملاء متحالفون مع العدو الإستراتيجي للعرب والمسلمين. وبين هذا وذاك يضيع الجندي العراقي ويضيع سكان القرى الكردية أيضاً لأنهم مخطوفون بيد البشمركة طوعاً أو كرهاً.
وقلما تجد حينئذ حصيفاً يميز الأمور فيعطي للكرد حقاً وللحكومة حقاً آخر، لأن ثقافة الاستقطاب هي التي تسود أيام الحروب ذات النزعة الانفصالية.
ومن الطرائف التي يرويها الكرد أنفسهم أن شيخاً كبيراً قصد الجبل، فقيل له: أين تذهب؟ قال: إلى الجبل. قيل: ولمَ؟ قال: من أجل القزية (أي القضية). قالوا: وما القضية؟ قال: لا أدري. هم يقولون هكذا !.
وليس بعيداً عن البشمركة، حركة التمرد في جنوبي العراق ولاسيما في الأهوار. فالبردي الذي يرتفع عشرة أقدام خير ساتر يستعصي على الجيوش الجرارة، والزورق المشحوف جاهز يناور في الطرقات المائية التي لا يزيد عرضها على نصف متر، والبندقية مسحوبة الأقسام مخبأة تحت شبكة الصيد وكل شيء على ما يرام. والمنظر طبيعي في النهار لأنه مشهد صياد يبحث عن رزقه ما بين بنية أو كطانة. لكنه في الحقيقة ثائر متمرد يقتنص الفرص ليقتنص الرجال، وفي عقله أسطورة رسخت أن صدام سفاح مستبد سني. في حين أن التفسير لدى جيش العراق أنه مرتزق قاطع طريق عميل للملالي في إيران. ووفق هذا المنطق أو ذاك يروي كل بطولاته.
واليوم وقد ظهر البشمركة العرب وانداحوا وتسللوا بين المواطنين وبين صفوف المقاومة الراشدة، اختلط الحابل بالنابل. ولم يعد بوسع المواطن العادي أن يميز بين هذا وذاك. وحين تسأل أحدهم افتراضاً: لماذا تزرع العبوة في قلب بغداد؟ يقول لك: إنها القزية (القضية) وأنا استهدف المحتل. فتقول: أليس ثمة مكان آخر غير شارع السعدون أو الباب المعظم؟ وهل هانت عليك أرواح الأبرياء التي زهقت بالعشرات أو بالمئات؟ فيجيبك بكل ثقة: هم شهداء إن شاء الله وكل يحشر على نيته والله حسيبهم!! نعم... إنهم بشمركة... ولكن عرب. والقضية ليست قضية محتل، بل مظلمة وقعت على عرب سنة لم يكونوا يوماً أزلاماً للنظام ولم يختاروه، بكل بساطة لأنهم ولدوا بعد عام 1968. والمؤسف أنهم حسبوا على النظام ظلماً وعدواناً فثارت ثائرتهم لهذا الظلم وتلك الحسابات الخاطئة.
ثلاث نماذج.. كردي بدأت مظلوميته في الأربعينات.. وعربي شيعي أحس بالظلم في السبعينات... وعربي سني تشكلت مظلوميته اليوم... والتركمان في كل يوم مظلومون. ولكل قضيته... ولا أحد يدري ما القضية... إلا الراسخون في العلم فإنهم علموا بأن الاستبداد المرض الساري في جسد الأمة التي عاشت أحقاباً تحت مظلة الاستبداد العثماني في آخر عقوده فكانت ردة الفعل عندهم ذلك الشعور الانهزامي المتمرد. وبدلاً من تحكيم عقولهم والاجتماع على كلمة سواء لم يجدوا سوى الكفاح المسلح طريقاً. ذلك الهاجس الذي وظفه الإنكليز والصهاينة والأمريكان ومرتزقتهم من المأجورين أحسن توظيف... ليس هذا فحسب بل جار علينا الجار... وليس الأعاجم فحسب، بل العرب أيضاً.
وفي هذه الأيام ونحن نشهد الشد والجذب بشأن كركوك ونعلم أن القضية ليست قضية كركوك وإنما هي ساحة صراع بكل أنواع البشمركة السابقين واللاحقين على أرض كركوك... من الشجاعة أن أهدي كلمات إلى  جميع العراقيين فأقول أخيراً: إخوتي أنتم جميعاً شرفاء وخاب من يصفكم بالعمالة فإياكم أن تستدرجوا... واعلموا أننا جميعاً عصاة وأحوج ما نكون إلى توبة... فلتكن كركوك مدينة التآخي بحق .

****

مأساة كركوك والمباراة اللاصفرية /  أ. بهاء الدين النقشبندي

واخيراً وقع المحظور وتحققت المخاوف وحصل ما كنا نخشاه في كركوك، المحافظة العراقية التي ظلت لعشرات السنين تضم في احضانها العرب والكرد والتركمان جنبا الى جنب وقلبا على قلب.
انفجرت قنبلة كركوك بسبب التخندقات العرقية والثقة المفقودة بين مكونات شعبها.
كنا نقول دائما ان الحلول الحاسمة النهائية للمشكلات الصعبة المستعصية هي حلول فاشلة لسب بسيط جداً هو ان احد الاطراف لن يقبل بها حتما.
ان مشكلة معقدة مثل مشكلة كركوك ذات ابعاد محلية واقليمية ودولية لا يمكن ان تحل الا بالتوافق بين الاطراف المختلفة وقبول الجميع بالحل والا افسده الطرف الذي يشعر انه غبن في هذا الحل.
في مثل هذه الحالات هناك ما يسمى بالمباراة اللاصفرية (win-win- game ) أي الوصول الى حل يشعر الجميع انه قد فاز من خلاله وهذا هو المطلوب في مشكلة كركوك.
لا يمكن لأية صيغة تغمط حقوق البعض ان تستمر والمثال أمامنا قريب وواضح لكل ذي عينين، لقد عبث النظام السابق بوضع المدينة عبثا كبيرا الا ان اللحظة الاولى لسقوط النظام شهدت اضطرابا وفوضى وتحركا لاعادة تصحيح الاوضاع ، كل يريد التصحيح من وجهة نظره هو محصل التصادم والصراع.
 على كل الاطراف ان تعي انها اذا حصلت على مكسب باطل اليوم نتيجة ظروف خاصة، فإنها لا بد ان تفقد هذا المكسب غدا لأنه باطل والباطل مكتوب عليه المحق والزوال ولو دام سنين واعوام ، قال تعالى :" وقل جاء الحق وزهق الباطل، ان الباطل كان زهوقا" وتعبير (ان الباطل كان زهوقا) بيان عام يعبر عن قانون كوني ثابت وسنة آلهية لا يمكن ان تحيد او تتلاشى.
علينا ان لا نحقق مكاسب باطلة على حساب حقوق الآخرين اذا اردنا لوطننا السلم والاستقرار، وفي وقت الازمات يحتاج منا الوطن ان نتنازل عن بعض طموحاتنا وربما حتى بعض حقوقنا اذا كان ذلك ضمن دائرة العراق، فالتنازل لمصلحة العراق مكسب وليس خسارة ولن ينسى الوطن ذلك ولو بعد حين .

****

باي باي كركوك  / د. عمـــار وجيه

أعجبتني وريقة رأيتها على مكتبي وقد كتب عليها : (لا تبيعوا البصرة بالفلوجة) كان ذلك في صيف عام 2004 ، وعرفت بعدها بأن كاتب القصاصة هو من أهل الحكمة في مدينة البصرة، وعرفت أيضاً بأنه لم يكن يريدنا أن نتخلى عن الفلوجة العزيزة بل أن لا ننسى البصرة الفيحاء حفيدة الحسن البصري رحمه الله.
وأعجبني جواب أستاذي طارق الهاشمي لأحد السياسيين من الحزب الديمقراطي الذي زارنا قبل شهرين يطلب عرض المادة 140 على مجلس الرئاسة ويطلب أيضاً دعم الهاشمي لقضية كركوك. كانت إجابة أستاذنا موفقة ومليئة بالحكمة، إذ قال ما معناه: إنني أقدر معاناة أهالي كركوك الذين أصابهم الظلم على مدى عقود من الزمان، لكنني لا أجزئ ملفات المناطق المتنازع عليها. علينا أن ننظر إلى العراق جزءاً واحداً لا يتجزأ وأن نعالج جميع الملفات المتعلقة بالتنازع كرزمة واحدة لا أن نعالج مشكلة واحدة كل مرة حتى تنتهي أعمارنا وأعمار أبنائنا من دون أن نصل إلى استقرار وأمن وازدهار.
اليوم وبعد أن فجع أهالي كركوك بالحادث الأثيم الذي طال التظاهرة السلمية وبردود الفعل التي جاءت بعده، عادت إلى أذهاننا ذكريات سامراء الأليمة التي هجرت أربعة ملايين وأودت بحياة مئات الألوف ومثل ذلك العدد في المعتقلات والسجون. وعدنا بعدها إلى المربع الأول وليته الأول بل ربما (مربع ناقص واحد). وأذكر أنني اتصلت بأحد القياديين في كركوك قبل نحو عام وقلت له: إنني أشم رائحة مؤامرة حول مدينتكم فتنبهوا لذلك وإياكم أن تفسحوا المجال لاحتراب جديد في العراق المصغر كركوك.
اليوم وقد احترب السياسيون في البرلمان وخارج البرلمان ورفع بعضهم  شعار المثالثة في كركوك، والآخرون قالوا كلا وألف كلا، لم يصغ أحد من هؤلاء لنداء الحزب الإسلامي والتوافق الذين دعوا جميع الأطراف إلى الحوار والحل عن طريق التوافق، حتى بدت أول بوادر السوء على المدينة والتي يتصيد فيها من يتصيد من أهل الداخل والخارج ليروج للأجندة التي تصب في صالحه حسب ما يظن.
أقول لجميع الشركاء في كركوك: من المستفيد من إشعال هذه الفتنة؟ وإذا كان العرب أو الكرد أو التركمان يظنون بأن أحداً منهم سيخرج منتصراً فهم واهمون جميعاً. إذ كلما زاد اشتعال الأوار خسر الشركاء حصناً من حصونهم وتزايدت فرص فرض الإرادات من الخارج. فإما هي هيمنة أو دالة إقليمية على المدينة تأتي يوماً بعد يوم من باب المحافظة على الأقليات أو غير ذلك من المبررات أو التخوف من انفصال كردستان، وإما المزيد من الضغط الأمريكي والوجود العسكري في العراق بذريعة أو بأخرى، وإما مسوغات لدخول القوات الدولية وتدويل قضية كركوك حتى تتحول إلى قدس أخرى في العراق.
وفي كل الأحوال فالأطراف الثلاث هي الخاسرة. الحلم الكردي لتكريد كركوك أصبح اليوم بعيد المنال، والتطلع العربي والتركماني لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 9/ 4 أمسى ضرباً من ضروب الخيال.
فالحكمة إذن كما أسلفنا هي في تقديم المزيد من التنازلات، وإلا فإن الفقير والمعدم والمحروم من الماء والزرع والضرع سيكونون ممثلين (كومبارس) بائسين في مسرحية الشد والجذب بين الأطراف الثلاثة المتكبرة على بعض والتي لا تفهم الواقع كما ينبغي. ليس هذا فحسب وإنما إذا كانت هذه الأطراف جميعاً متفقة على أن لا تسقط كركوك في هاوية الطائفية المستوردة فعليها أن لا توجد المبررات لأرباب هذا الفكر المستورد المنحرف الذي مزق العراق.
وأخيراً أخشى أن يأتي اليوم الذي يجلس فيه (الشروال والصاية والعباية) على قارعة الطريق (كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه) ... فينشدون باي باي كركوك ... باي باي بابا كركر .

****

بين الصفا والصوفا  /  د. عمار وجيــــه

يطوف المعتمرون بين الصفا والمروة.. ويطوف العراقيون بين الصفا والصوفا. أما الصفا SFA فهي اتفاقية الإطار الاستراتيجي (Strategic framework agreement)  وهذه ليس فيها مشكلة كبيرة لأنها تدور حول التعاون الاقتصادي والخدمي والتكنولوجي وغير ذلك، وأما الصوفا SOFA فهي اتفاقية وضع القوات الأمنية (Status of force agreement) وفيها الطامات الكبرى، ما بين احتلال يستغرق العقود، أو وضع شبيه بالانتداب، أو فرصة للعراق ليحظى بالاستقلال والسيادة. وقد سبق أن أشرت في مقال بعنوان : ( فلنتفق قبل أن نتفق ) إلى ضرورة أن يسأل الناس عن مفهوم السيادة ويبحثوا عن مصلحتهم ويتفقوا مع بعض قبل أن يتفقوا مع أية دولة أجنبية.
وتعرضتُ الى النقد والتجريح، ولست أعبأ إن أساء مسيء ما دمت أتحرّى الصواب وأبحث عن الحقيقة وأنشد مصلحة سبعة وعشرين مليوناً من المظلومين، والله وحده هو الذي يعرف السرائر. أقول مرة أخرى لأولئك الذين انشغلوا بتمجيد مرجعياتهم مهما كانت، ولا شك أني أحترمهم جميعاً، ولكن ليس على حساب مصلحة الأمة التي تنتظر من يقودها إلى شاطئ السلام. أقول : ليتكم دفعتم علماءكم إلى بذل الجهد كل الجهد وخفض الجناح للآخر والبحث عن كل وسائل المصالحة من أجل أن يجتمعوا جميعاً على فتوى واحدة.  وإذا كان أحدهم يستعلي أو يحرج من زيارة عالم آخر، في الأقل فمن المروءة أن يرسل إليه رسالة يستطلع فيها رأيه ويحثه على تقوى الله ومراعاة مصلحة الأمة ويبين له ما يرى هو في شأن هذه الاتفاقية، أليس ذلك خيراً من أن يجلس كل منهم في صومعته، يصدر الفتوى منطلقاً من مذهبه، عفواً بل من مدرسته في المذهب، أو يَظهر عبر وسائل الإعلام ليقدم رسالة مفتوحة إلى الأمة متوهماً أنه حبر الأمة أو رئيس جميع العلماء في العالم !! أو يبعث بفتوى من خارج العراق فيها تهديدٌ ووعيد لمخالفيه وهو لما يطّلع على حيثيات التفاوض ولم يكلف نفسه أن يزور أو يراسل الدكتور محمد الحاج حمود في وزارة الخارجية العراقية فيسأله عن تفاصيل الاتفاقية لعله يطلع على وصف مجمل ينفعه. لقد كانت الأمة في ما مضى تتحرى الإجماع الصريح وهو دليل من أدلة الأحكام يكون قطعياً إذا شارك جميع أهل الفتوى به، فإن لم يفلحوا فإنهم يصدرون الفتوى وينتظرون آراء بقية علماء الأمصار، حتى إذا لم يسمعوا رأياً مخالفاً كانت فتواهم إجماعا سكوتياً لأن بعضهم سكت عن الفتوى فيه، وهذا الإجماع لا ريب أنه ليس بقوة الإجماع الصريح. أما اليوم فليتنا نحظى بالإجماع السكوتي، بل إن بعضهم يسابق بعضهم الآخر في ما يرى أنه صواب فتأتي الفتاوى مبهمة أو مجملة أو متناقضة في الجزئيات حتى يحتار المسلم في أمره. ليت شعري لو تأمل المتأملون قوله تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا إعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، أي لا يحملنــّكم بغض قوم على ترك العدل، لو تأملوا هذا النص القرآني ألم يكن أحدهم ليحمل نفسه إلى أخيه حرصاً على سلامة العراق والعراقيين ونكراناً للذات حتى يتعاون الجميع على توحيد الموقف الشرعي والسياسي إزاء الاتفاقية وغيرها ؟. إننا بحق بحاجة إلى أن ندوس على جراحاتنا، وهي دعوة لعلماء السنة والشيعة والعرب والكرد والتركمان وغيرهم لعلّها تكون خطوة في الاتجاه الصحيح نحو المصالحة.... ومن بعدها الوحدة والتحرير. لا تقل فات الأوان... وانطلق فالوقت حان... إن أردنا وانطلقنا... بالمنى جاد الزمان .

****

دبلوماسي المسار الثاني   / أ. بهاء الدين برهان النقشبندي

كثير من علماء السياسة يفسرون العلاقات الدولية على وفق مفهوم القوة فقط، ففي نظر هؤلاء ان القوة بأشكالها المتنوعة عسكرية كانت او اقتصادية او غيرها من الأشكال والصيغ هي التي تحدد مسار العلاقات بين الدول قوة او ضعفاً، تحالفاً او صراعاً، حرباً او سلماً.
في مقالتنا اليوم نعرض لمفهوم آخر وربما جديد لتشكيل هذه العلاقات وهو ما يسمى بمفهوم دبلوماسية المسار الثاني(Track two Diplomacy) التي  يعرفها السفير الأمريكي جوزيف مونتفيل بأنها: (تفاعل غير رسمي يتسم بقدر من الودية بين جماعات او أمم لها أجندات وتوجهات متنازعة ومتضادة بهدف تنمية وتطوير ستراتيجيات معينة في صراع ما لإحداث تأثير محدد على الرأي العام وهي تسهم في حل الصراعات).
وفي تعريف آخر لجون بيرتون: (انها البديل لإستخدام القوة الذي يبنى على تحليل حاجات الأطراف والمجموعات المتصارعة ومنظومات قيمها ومصالحها).
الموضوع اذاً، يتعلق بابتكار وابداع مسارات وأوعية متعددة لحل نزاع او صراع ما لأن المسار الوحيد للحل يمكن ان يصل الى مرحلة الإنسداد ويبقى الصراع قائماً لعشرات السنين من دون حل وهو ما حصل في كثير من الصراعات منذ بدء الخليقة وحتى هذه اللحظة.
تأخذ دبلوماسية المسار الثاني او الثالث او الرابع صوراً متعددة فربما تشكلت هذه الدبلوماسية بصيغة الدبلوماسية الشعبية او الدبلوماسية الوقائية او ما يسمى بدبلوماسية البارحة كما في حالة القيام بمناورات وتحركات عسكرية احادية او تحالفية من اجل ارسال  رسائل لخصوم واطراف معينة.
ما حصل في اوسلو مثال حي على استخدام دبلوماسية المسار الثاني فقد وجد احد الأساتذة النرويجيين ان زميليه في الجامعة وهما استاذ فلسطيني وآخر (اسرائيلي) يمكن ان تكون بينهما ارضية مشتركة، فنظم لهما لقاءات سرية عدة في منزله يتناول فيها الجميع طعام العشاء كل يوم جمعة لأسابيع عدة.
في اختتام هذه اللقاءات وبعد الشد والجذب والاختلافات والتعثر في العلاقات وصل الطرفان الى مشتركات واتفاقات، وهنا تدخلت الخارجية النرويجية بدعوة شخصيات رسمية فلسطينية و(اسرائيلية) للإشتراك في هذا الحوار الذي انتج مؤتمر اوسلو للسلام بين الفلسطينيين و(الاسرائيليين).
 بعد كل هذا نقول ان دبلوماسية المسار الثاني ستراتيجية لا يمكن اغفالها لنزع فتيل الأزمات والصراعات ومن يعمل في السياسة عليه ان يجيد استخدامها لمصلحة امته ووطنه .

****

زجر الشاتم / د. عمـــار وجيه

مع الاعتذار للمعرّي لأني استعرت جزءاً من العنوان من كتابه .. أقول : إنّ أولئك الذين لا همّ لهم سوى أن ينالوا من إخوانهم في الحزب الإسلامي العراقي سيقفون أمام الله تعالى يسألهم وهم يعلمون حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم : " لَيْس المؤمِنُ بِالطَّعَّانِ ، ولا اللَّعَّانِ ولا الفَاحِشِ ، ولا البذِيء " ، وقوله : "أَتَدْرُون من الْمُفْلِسُ ؟" قالُوا : الْمُفْلسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ . فقال : " إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقيامةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وزَكَاةٍ ، ويأْتِي وقَدْ شَتَمَ هذا ، وقذَف هذَا وَأَكَلَ مالَ هَذَا، وسفَكَ دَم هذَا ، وَضَرَبَ هذا ، فيُعْطَى هذَا مِنْ حسَنَاتِهِ ، وهَذا مِن حسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حسناته قَبْلَ أَنْ يقْضِيَ مَا عَلَيْهِ ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرحَتْ علَيْه ، ثُمَّ طُرِح في النَّارِ" فماذا يجيبون ؟.
 اليوم لا ينبغي السكوت عن المتمادين بالباطل .. فهؤلاء المرجفون لا ينفكـّون يتصيدون الهفوات ليل نهار ، ويجبن بعضهم عن حمل سلاحه ليدافع عن عرضه أو مسجده ثم يلوذ بالفرار إلى عرين الضباع !! وحتى أن بعضهم لم يتورع أن يستخدم منبر رسول الله r ليقدح بسمعة إخوانه ظلماً وعدواناً وهو بهذا يضرّ نفسه قبل غيره ويسقط من عين الله وأعين الناس .
 أقول لهؤلاء وأنا أتعفف عن الشتم : إنكم بهذه الأفعال الرديئة لستم تؤذوننا بل تؤذون الأمة كلها ، وللأسباب الآتية :
أولاً : إنّ شتم الحزب الإسلامي لا يقتصر على شتم قيادته بل يلحق الأذى بخمسين ألفاً من المسلمين انتسبوا وأيدوا هذا التيار . وهذا ظلم كبير لأن الأصل هو نقد السياسة لا الأتباع والجمهور . ثانياً : إنّ التهم التي توجهونها إذا كانت باطلة فإنها ستؤذي المؤيدين والمناصرين والمحايدين أيضاً ، على اعتبار أنها توغر صدورهم على إخوانهم إن صدّقوا فريتكم ، أو تحزنهم إذ يسمعوا بهذا التجريح في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى غير هذا .
ثالثاً : الأصل في الإصلاح هو الفعل الإيجابي لا النقد السلبي ، ولو تأملنا حديث النبي  r: ( لا ضرر ولا ضرار ) لعلمنا أن مواجهة الضرر بالضرر فيه خسارة للأمة لأنّك بدلاً من أن تكسر زجاج جارك الذي كسر زجاجك ، اطلب منه إصلاح زجاجك .. وهو خير . فلماذا لا يفكر أولئك المنهزمون نفسياً بمثل هذه الطريقة ؟
رابعاً : إنّ هذا المسلك الشائن يسهم في تفريق الأمة ، أليس القرآن يقول : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ، واصبروا إن الله مع الصابرين )؟
خامساً : إنه يشمت الأعداء فينا ويزيدهم تمكينا .
سادساً : إنّ المصاب بهذه اللوثة يجني على نفسه وعلى غريمه ، ويحاكي ما قال شمشون الجبار : ( عليّ وعلى أعدائي ) .
سابعاً : إنه أسلوب رخيص للدعاية الانتخابية ، وبدعة تربأ عنها نفوس الكرام ، فليس من شيم الأمة المسلمة أن تقلّد الغرب فيما ذهبوا إليه من تصيد العثرات والتجسس على الناس في أماكن عملهم بغية الحصول على وثيقة أو تسجيل صوتي أو صوري ، فذلك شأن الماسونية والمخابرات الأمريكية والحكام الظلمة ، وهو ما ينبغي أن يتعفف عنه المسلمون مهما كانت مذاهبهم ، لأنك إذا فضحت أخاك فقد فضحت نفسك .
ثامناً : الفرقة والتناحر لا محالة تؤخر النصر وتكون واحدة من الأسباب لبقاء المحتل الذي يعمل بفلسفة ( فرّق تسد ) .
تاسعاً : وهي أيضاً سبب لنزول البلاء لأنها مظنة غضب الله تعالى ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا ) ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ) ، ولعل انقطاع الغيث وجفاف الأنهر والتصحر ونقص الأنفس والثمرات هي من نتائج فرقة الأمة وعدم اجتماعها على كلمة سواء .
عاشرا : الملامة الكثيرة والطعن والتجريح تسبب الإحباط عند الشباب والناشئة الذين ينتظرون ما يفعل قادتهم ليقتدوا بهم فإذا لم يجدوا سوى التنابز فإنهم سيلجأون إلى العزلة أو الشك بالدين أو الهجرة وترك الوطن ويكون الخاسر الوحيد هو الشعب لأنه يخسر الطاقات الشابة الواعدة .
 أما لإخواني المجاهدين في الحزب الإسلامي والتيارات الصالحة المصلحة فأقول لهم : ( لن يضروكم إلا أذى) .

****

محاكاة إسرائيل / د. عمــــار وجيه

في أقل من قرن من الزمان حار العراقيون في أمرهم وتغير منار الأرض مرات ومرات، وهجّر الناس من أوطانهم غير مرة، وما كانت عاقبة التهجير خيرا.
ففي الأربعينات والخمسينات قدمت حكومة العراق هدية مجانية إلى دولة إسرائيل وهجّرت يهود العراق بدلاً من احتوائهم في وطنهم ليكونوا مواطنين عراقيين يشعرون بوطنيتهم شأنهم في ذلك شأن بقية المواطنين، فتحول هؤلاء إلى أعداء وشاركوا في المكر ضد العراق وغيره.
وفي السبعينات هجّر آخرون بزعم التبعية الإيرانية وألقوا بثياب نومهم على حدود إيران فتحول بعضهم إلى معارضة وآخرون إلى مقاتلين وصنف ثالث إلى سفاحين يثأرون لمظلمتهم فأسرفوا في القتل.
وفي الثمانينات هجّر الكرد من كركوك وغيرها إلى الجنوب والشمال حتى سار في شوارع الناصرية من يرتدي (الشروال). وألقي بعضهم في غياهب نقرة السلمان بسبب أو بغيره. وهجّر سكان الجبال إلى شرق السليمانية وبنيت لهم مجمعات في بازيان وباينجان، حتى قال شيخ طاعن في السن قولته التي أضحكتنا: لقد تجاوزت الثمانين وقصارى ما رأيته هو قضاء جوارته، أما الآن فإني أشكر صدام لأنه أراني محافظة السليمانية وشرقها!!
وفي التسعينات هجّر الكرد مرة أخرى من نينوى إلى أقضية كردستان.
وبعد الاحتلال شهد العراق أشرس حملة تهجير فاقت تهجير أبناء فلسطين بمراحل، حيث ذكرت تقارير الأمم المتحدة بأن خمس سكان العراق مهجرون في الداخل والخارج. وكان للعرب السنة حصة الأسد من التهجير وبلا أدنى ريب.
فالشام هي المحضن الأول للعراقيين وفيها ما يقرب من المليونين إن لم نقل أكثر. والأردن تأتي بعدها ومن ثم الخليج ومصر واليمن. أما الهجرة في الداخل فحدث عن بشاعتها ولا حرج، ولا أسوأ من تهجير خمسة عشر ألف أسرة من مدينة الحرية، تلك الجريمة التي شاركت فيها المليشيات والشرطة والجيش والأمريكان ولا ندري حتى الآن سر هذه الحملة التي سيكشف المستقبل تفاصيلها.
وإذا كان الكرد قد هجّروا في الثمانينات فإنهم اليوم يهجّرون العرب من كركوك وديالى ونينوى، تحت فلسفة الفعل ورد الفعل !!. وماذا كانت النتيجة؟ أليس المزيد من الكراهية وشيوع ثقافة الانتقام؟ فالعرب المهجّرون اليوم ينتظرون فرصة الانتقام من الكرد كما كان الكرد بالأمس. والمهجّرون في الشام يكرهون كل ما أنتج تحت مظلة العراق الجديد ويلعنون الديمقراطية ومن جاء بها لأنها في نظرهم لم تجلب لهم سوى الويلات، وكذلك الحال بالنسبة لمهجري الداخل. أما التركمان فإنهم مظلومون في الأمس وفي اليوم، ولا ننسى بقية الأقليات من مسيحيين وصابئة وغيرهم.
أخبروني أيها القراء الكرام: أي روح للثأر صارت عند العراقيين نتيجة لهذا التهجير الظالم الذي لم يحدث سوى لأن أصحاب السلطة في شتى الأزمنة لم يؤمنوا بلغة الحوار والاحتواء بل تعسفوا في استخدام سلطتهم وجروا الويلات على الناس وعليهم. وإلا فما الذي أوصل بعض المهجرين أو أولئك الذين وقع عليهم الظلم إلى أن يحرقوا دور الناس بمن فيها أو يسفكوا دم العائلة رجالاً ونساء وأطفالاً؟ أليس ذلك شبيها بما فعل اليهود قبل ستين عاماً بشعب فلسطين؟ بل بما فعل اليهود بأنفسهم قبل ألوف الأعوام؟ حتى ذكر القرآن تلك الجرائم في قوله تعالى: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون).
فما أشبه اليوم بالبارحة وما أشبه ما نفعل بما فعل اليهود، فهل يحق لنا أن ننتظر الرحمة قبل أن نتوب؟ اللهم تبنا إليك .

****

أدوات ملوثة Dirty Tools /  د. عمار وجيه

كما تكون نتائج العملية الجراحية سيئة إذا كانت أدواتها ملوثة, فان التلويث في أدوات الحكومة والأحزاب ينتهي بالتهاب في الجسد الوطني.
جراحون ماهرون ابتلوا بفريق ملوث من ممرضين وعمال، ضاعت بسببهم جهود كبيرة بذلت في ساعات طوال وانتهت العملية بخمج (التهاب) أودى بحياة مرضاهم أو انتهى بهم إلى عوق. في حين أن جراحين اقل مهارة وفي دول أوربية حصدوا نتائج باهرة نتيجة تفاني فريق العمل وحيازة مستشفياتهم على مؤشر ISO للتقييس والسيطرة النوعية.
أدواتنا الملوثة ليست وليدة الساعة. فمنذ أن دخل الانكليز العراق وجدوا بعض الناس يتغوطون في الطرقات كتحصيل حاصل لتلوث عقولهم التي شذت عن الإسلام وليس بسبب تلوث أحشائهم بالبكتريا، ومنذ أن تهاون الموظف الاشتراكي الثوري في أداء واجباته وكدس معاملات الناس بالألوف فجلب الصداع لنفسه وللمواطن، منذ ذلك الحين أدرك العراقيون أنهم يعيشون في بيئة ملوثة. أما المواطن فانه كان ينتقم من بيئته، ما بين تعمد في إتلاف الممتلكات العامة وفساد في الذوق العام. فزهور تقطع، وشجيرات تقلع، ومقاعد الحافلات بالسكين أو الموسى تمزق، وجدران يكتب عليها بشتى الأقلام والأصباغ، وزجاج المدارس يرمى بالحجر، ومقاعد جلوس المواطنين في الدوائر والمتنزهات تكسر وتحطم، وهذا غيض من فيض. لكن فساد القلوب والعقول بدأ منذ أن سُحِل الملوك عراة في شوارع بغداد وجاءت المصائب تترى حتى غرق العراق بالدماء.
واليوم وبعد أن تشدقنا بالعراق الجديد ورفعنا شعار الخلاص، فوجئ الزعماء والحكام بكم هائل من الأدوات الملوثة، بعضها من موروثات الأقدمين وبعضها الآخر من حصائد البرامج السياسية والجماهيرية التي بنيت على ردود الأفعال.
اضرب لكم مثلا واترك لكم التقدير: قائد عسكري مخضرم يحمل رتبة فريق يظهر على الإعلام في شهر الله المحرم ويزعم أن زوار كربلاء المقدسة بلغوا تسعة ملايين في غضون عشرة أيام وهو يعلم أن (تسعة ملايين) تعني ثلث سكان العراق وثلاثة أضعاف حجاج بيت الله الحرام وأن حاضرة كربلاء تكتظ بربع مليون!! ثم يظهر مرة أخرى في شهر جمادى ولكن هذه المرة في البصرة لينتقد المظاهر الدينية وتعليق الصور على الجدران فلماذا هذا التناقض ولمصلحة من؟ وهل أوصته المرجعيات أن يبالغ في الأرقام أم تبرع هو من ذاته؟
مثال آخر: البرامج السياسية التي انتهت بتشكيل المليشيات الدموية، كيف حالها اليوم؟ أليست المليشيات تطلق الرصاص على صدور أصحابها؟ أليس الضحايا اليوم هم القضاة ووكلاء المرجعيات والأكاديميون وضباط الجيش الحالي؟ وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((اعمل ما شئت كما تدين تدان)).
أدواتنا أيها الناس ملوثة، ولا عبرة بالتغيير ما لم نطهِّر تلك الأدوات جميعا بالتربية والإصلاح لا بسفك الدماء. ولئن كان زلماي قالها يوما (أمريكا سفينة كبيرة واستدارتها تأخذ وقتا طويلا) فإن حال الحكومة العراقية يستدعي الاستدارة الكاملة نحو الإصلاح، وكي لا نستغرق وقتا طويلا يأتي على عمر الأجيال فإننا يجب أن نشرع بحملة تطهير وعلى جميع المستويات. نبدأها أولا بتطهير أدواتنا الشرعية من الخرافة والتحريف وبوقفة شجاعة من جميع العلماء لمواجهة الموروثات التي كانت عبئا على شريعتنا. وتأتي ثانياً البرامج السياسية التي هي بحاجة إلى تطهير من المخاوف والهواجس الارتيابية، وأول شيء نطهره ما علق في ديباجة الدستور من مرض قبل أن نطهر فقراته الأخرى.
وثالث الأدوات هي القيادات الميدانية المتمثلة بالحرس القديم والجديد فهؤلاء أولى لهم أن يضعوا أسلحتهم ويمزقوا سياطهم ويكسروا أقلامهم الحارقة ويكفوا عن ظلم العباد، وباب التوبة مفتوح. ورابع الأدوات هم الجماهير، أولئك البؤّس المتطلعون للكلمة الطيبة والحرية والكرامة والثقافة، ولهم علينا حق أن نوزع الكرامة بينهم جميعا بلا تمييز لنجني منهم شهد العطاء، بدلا من تركهم سنين طوالا في أزقة الحطام، أو لفح الخيام، أو رطوبة الظلام.
أيها الزعيم.. أيها الزعماء: عليكم بكل المطهرات من الديتول والكلور والسيبتول...!! ولنعمل جميعا في تظاهرة حكومية، علمائية، حزبية، مجتمعية، جماهيرية، لغسل العقول والقلوب والأبدان والمكان والزمان تحت شعار ((وثيابك فطهر)) .

****

من يتحمل مسؤولية اختلال الدستور العراقي وصعوبة عملية تعديله ! / أ. بهاء الدين برهان النقشبندي

في الانظمة الديمقراطية الغربية، يعرف الدستور بأنه مجموعة قواعد قانونية تعلو كل القواعد والاشخاص في الدولة.
هذا هو تعريف الدستور في الانظمة الديمقراطية المستقرة، انه تعريف قانوني فحسب ، ولكن هل ينطبق هذا التعريف على حالة الدول غير المستقرة والمنقسمة سياسياً كما هو حاصل في العراق اليوم؟، بالتأكيد لا، وإلا لتمكنا بسهولة من تكليف مجموعة من الخبراء القانونيين بكتابة الدستور وارتحنا من القيل والقال وكثرة السؤال كما فعلها عبدالرزاق السنهوري في اكثر من بلد عربي في عهد الديمقراطيات في الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي .
ينقل الدكتور منذر الشاوي في كتابه (القانون الدستوري ، نظرية الدستور) نصاً للاستاذ جورج سل وهو من أشهر كتاب القانون الدولي العام في فرنسا قوله : ( ان قواعد القانون الدستوري هي قواعد توازن سياسي اكثر من كونها اساساً للمشروعية).
 ويقول الدكتور الشاوي: (ان القواعد الدستورية لا تقيد الحكام ، بل ان هؤلاء يقيد بعضهم بعضا فتعدد القابضين على السلطة من شأنه ان يحد أحدهم الآخر او يحد من محاولة تخطيه الحدود التي ثبتت في الدستور لاسهامه في ممارسة السلطة ويقول في موضع آخر: (ان الدستور هو ليس وسيلة لتكريس القوة المهيمنة في المجتمع فحسب ، بل هو ايضاً وسيلة توازن سياسي).
من كل ما سبق نخلص الى الاستنتاج بأن الدستور في دولة مثل العراق هو مجموعة قواعد للتوازن السياسي ، وليس مجموعة قواعد قانونية كما هو التعريف في البلدان الديمقراطية الغربية، وهنا يثور السؤال المؤلم الذي يجب ان نواجه به أنفسنا بصراحة لنحدد مواقع الخطأ ونعتبر منها في مستقبلنا، السؤال المدوي هو من يتحمل المسؤولية الحقيقية لتكريس سلطة بعض مكونات الشعب العراقي دون المكونات الاخرى ؟.!
 الاجابة واضحة وضوح الشمس في ايام تموزنا الحالي، والكل يعرفها ولكن ربما يتغافل عنها بعضهم ليحاول خداع العراقيين بشأنها.
ان اولئك الذين أوهموا اهلنا بالابتعاد عن مفاصل السلطة الحقيقية بحجج واهية هم المسؤولون امام الله عن تهميش مكون رئيس من مكونات شعب العراق وما نتج عن ذلك من اختلال عملية كتابة الدستور وصعوبة عملية تعديله. ان الشعوب والجماعات التي تسلم قيادها للجهال وتسمح لهم بتحديد وجهة سيرها لا بد ان تجني ثمار تصرفها قطافا مراً ومعاناة وآلاماً و دماءً بريئة وهذا ما حصل - للأسف الشديد- فهل نعتبر مما مضى، أم نستمر على تنازلنا لجهلة القوم بقيادتنا الى الجحيم؟! .

****

مساحة الخـَرْق /  د. عمــــار وجيه

غيرُنا الذي رفعَ بيارق الطائفية .. أما نحن فنصرخ بلا أوتار صوتية .. وإذا عقدنا مؤتمراتٍ صحفية .. أو قمنا بزيارات ميدانية .. أو كتبنا آراءنا في الصحافة الورقية ... فإن وسائل الإعلام الأخرى تتفنن في حجب آرائنا عن البريّة .. ولو أحصينا خطاباتنا الوطنية ... وكلماتنا التي تطفئُ نار الحروب الدموية ... لما وجدتم حزباً ولا تيّاراً ولا مرجعية ... نطقت بشطر ِ كلماتنا في الذبّ عن الكرامة الإنسانية ... اليوم وقد جاوزنا الأعوام الخمسة .. دعونا أيها القراء الكرام نتحاسب .. هم زعموا ومنذ اللحظة الأولى بأننا أيتام النظام .. والرافضون للديمقراطية .. والساعون لإفشال العملية السياسية .. والحاضنون للإرهاب ، هذا إن لم يتهمونا بتصديره ... افتروا كلّ ذلك وعمموا وما خصصوا .. وكأننا مسؤولون عن كلّ ما يجري في حارتنا !! وكتبت الأقلام ملايين الكلمات وتفوه الناطقون بألوف التصريحات حتى صدّق العرب والعجم بأننا مناجم العنف والجريمة والإرهاب، ولم يعد حتى جيراننا يصدّقون بأننا برءاءُ مما ينسبُ إلينا ، ونحن أيضاً صدّقنا أنفسنا وفتحنا أدراجنا ودواليبنا لعلـّنا نعثر على إرهابيّ يختبئ تحت مناديلنا .. أو بين أوراق صحائفنا .. فلم نعثر إلا على بؤسنا وأوتارِ حناجرنا التي لم تعد قادرة على الصراخ . في نيسان دخلَ الإرهاب مع الاحتلال وتسلل من شرقي البلاد وغربيها ، ولأنّ قبائلنا جُبلت على السخاء والعفوية فإنها لم تفهم ما يحاك لها ، وحسبت أن القادم مجاهد فحسب ، فلم تشأ أن تخرجه من أرضها ، واختلط الحابل بالنابل .. والقانون لا يحمي الغافل .. ولم تستمع لتحذيراتنا واتـُّهـِمنا بالتخاذل . وبعد أن سحقت تلك القبائل سحقاً .. ودكت مدن الأحرار دكاًَ ، عاد الوعيُ إلى الناس وأدركوا عُمق المؤامرة . أما الآخرون الذين روّجوا بأن مدنهم هادئة ، وأنه لا تثور في أحيائهم السكنية طلقة واحدة ، وأنّ الإرهاب يستهدفهم وينوي استئصالهم وذرفوا دموع التماسيح وأبكوا عوامّ جماهيرهم وثوّروهم علينا ظلماً وعدواناً فأحرقوا مساجدنا وهجّروا عوائلنا بوعي وبغير وعي ، فقد بان زيف ما يدّعون ، فمنذ الخامس والعشرين من آذار الماضي كـُشفت المناجم الحقيقية والمخازن الرئيسة للإرهاب وبانت الأرقام الفلكية للناس .. إذ كلما دُكّ معقل من معاقلهم ، قال الناطق الرسمي لخطة فرض القانون : وجدنا ألف قنبلة هاون .. وخمسمائة قاذفة صواريخ .. ونصف طنٍ من المتفجرات .. وثلاثمائة لغم ضد الدبابات .. ونحو ذلك من الأعداد ، كلما دكوا معقلاً جديداً .. وما أكثرها . إذ إننا لا يمرّ يوم أو يومان إلا ونسمع باكتشاف وكرٍ جديد في المناطق التي كان يُدّعى بأنها هادئة وآمنة . وليت ذلك كان وكفى ، بل إن أوكار التعذيب والخطف والمقابر الجماعية كشفت أيضاً وبانت حقيقتها وأدرك الناس جميعاً أنّ كلّ ما كان يظهر عبر وسائل الإعلام لم يكن سوى كذبٍ وزيف . وإني لأتعجبُ حين يظهر بعض المراسلين ويقومون بتغطية نشاطات إغاثية أو اجتماعية أو يتحدثون عن خدمات متردية في مناطق شعبية وأحدهم يقف على بعد مائة متر عن واحدة من المقاصل أو المجازر البشرية . لكنهم لا يجرؤون على أن ينبسوا ببنت شفة عمّا وراء تلك الأسوار .   ولأنّ المثل يقول : ( لا يفل الحديد إلا الحديد ) فإن الحديدة الأمريكية والعراقية قد اختارت يوم الخامس والعشرين من آذار ، ولأمر ما ، لدكّ تلك المعاقل . وعندما يتهمنا الناس بأنّ بيئتنا مخترقة من الإرهابيين فنحن لا ننكر ولكن لننظر الفرق بين خرقنا وخرق غيرنا .. فبيئتنا لم تكن أصلاَ محضناً للإرهاب وإنما خدعت من ثعالب الداخل  والخارج . وبيئتنا قاومت الاحتلال لكنّ جهدها خطف من المجرمين وأرباب العنف . وبيئتنا بعمومها لم تكن مقتنعة بالعملية السياسية التي انفرد بها حزبنا من دون الناس ، فلا غرابة أن تبديَ معارضتها ومناهضتها ، وإن الذين مارسوا العمل السياسي من اليوم الأول كانوا غرباء في أرضهم . أما بيئة غيرنا فإنها ادّعت بأنّها تتبع الفتوى .. وشاركت غيرها في العمل السياسي .. فتكامل تمثيل الجمهور، أغنياء وفقراء ، بنواب ووزراء ، وتفنن المتفننون في تقاسم الأدوار وما يزالون ، واستفادوا وأفادوا ، ووظفوا عشرات الألوف من الموظفين ، لكن وللأسف فإن كثيراً من وسائل إعلامهم طمست معالم الخرق الذي مزق جمهورهم من الداخل ، فالشرق شرقهم وهو حليفهم ، والسلاح كله مختوم بختمه ، ومعسكرات التدريب هنالك تشهد ، ومئات الألوف من العراقيين الذين خطفوا أو قتلوا فإن دماءهم ستشهد أيضاً . ولو ادعى القوم أنهم جاءوا بذلك العتاد لمقاومة المحتل فلربما صدّق الناس ، لكنّ شيئاً من ذلك لم يحصل ، اللهم إلا النزر اليسير وجلـّه من قبيل ( البروباگاندة ) . وقد كشفت الأيام فضائح تزكم الأنوف .
فاحكموا أيها الناس أي الخرقين أكبر ؟ خرقنا أم خرق غيرنا وأي الخرقين يُرتق ؟ وأيهما ما له رِفاء ؟
نقول ذلك لا لشيء إلا لنستردّ أوتارنا التي فقدناها .... منذ خمسين عاماً .

****

البحث عن الرمز دموع من أجل العراق الحبيب / أ. بهاء الدين برهان النقشبندي

كرة القدم لعبة الشباب لا الشيوخ، لكنها اضحت اليوم في عراقنا الجريح لعبة كل العراقيين، لأنها صارت رمزاً لوحدتهم والتفافهم حول وطنهم ووسيلة للتعبير عن حبهم لهذا الوطن العزيز على قلوبهم، وربما كان العزاء الوحيد الذي خرجنا به من محنتنا خلال السنوات الخمس الماضية أن التحام العراقيين حول بلدهم انتقل الى وتيرة متصاعدة وصرنا نرى دموع العراقيين غزيرة في كل مكان على هذه البسيطة بمجرد ذكر اسم العراق او رفع علمه ، وهذا يؤكد لنا ان الولاء الحقيقي للوطن بدأ الآن بعد هذه المحنة المريرة، وغالباً ما تصنع المحن حالة الالتصاق بالجذور ، ولا ريب ان جذور المواطنة هي من أقوى الروابط التي تميز الانسان، عن غيره من المخلوقات .
ربما يستغرب بعضهم، كيف تكون كرة القدم هي الخيمة التي يستظل بها العراقيون؟.!
في الحقيقة ان الحالة هي حالة البحث عن الرمز فعندما تضيع الهوية يبحث الناس عن هوية جديدة أو يبحثون عن أية وسيلة تعيد اليهم هويتهم المفقودة ، وكرة القدم هي واحدة من هذه الوسائل ، وهذا ليس بمستغرب بل هو عرف بشري تعارفت عليه كل أقوام الأرض ، وهذا ما نراه على شاشات الفضائيات في كل ملاعب العالم. طبيعة الرمز ونوعه ليس لها علاقة بالولاء له، لأننا نعلم جميعاً أن العلم كان رمزاً للشعوب منذ فجر البشرية وحتى هذه اللحظة حيث يقف الكل دون حراك احتراماً للعلم عند رفعه، بل قتل الكثيرون دفاعاً عنه وثأراً لسقوطه على أيدي الأعداء ، وإلا قولوا لي بربكم ماذا تعني قطعة قماش بألوان معينة لشعب ما؟! ما السبب في كل هذا الاحترام والتبجيل لقطعة قماش هذه اذا استثنينا اعلام العراق والسعودية التي تتضمن عبارات مقدسة مثل الله اكبر، و لا إله إلا الله؟.!
ماذا يعني علم مصر للمصريين وعلم بريطانيا للبريطانيين وعلم جزر القمر للقمريين..الخ، انه الرمز ولا شيء غير الرمز.
قبل أيام، هزني مشهد فتى عراقي ظهر على قناة الحرة -عراق وهو يذرف الدموع بحرقة حزناً على خسارة الفريق العراقي ، في الحقيقة ان هذا الحزن ليس من اجل خسارة مباراة يمكن ان يخسر فيها اي فريق مهماً كان قوياً وهذا يعرفه كل الناس فـ(كرة القدم) ،فوز وخسارة ، اليوم تفوز وغداً تخسر وبعد غد تفوز وهكذا ، ولكن الأمر يتعلق بالرمز وخسارة الرمز وليس خسارة الفريق .
خسارة الرمز تدعو الى الحزن والبكاء فلا تقولوا ان فلاناً بكى من أجل كرة القدم التي لا تستاهل حتى حسرة ولكن بكاءنا هو من اجل وطننا ورمزنا وقديماً قال الشاعر:

فقالوا: أتبكي كل قبر رأيته
                       لقبر ثوى بين اللوى فالدكادكِ
فقلت: ان الشجا يبعث الشجا
                       فدعني فهذا كله قبرمالك

 

****

فلنتفق قبل أن نتفق !! /  د. عمار وجيـــه

المزايدون لم يولدوا اليوم ، فمنذ عهد النبوة قال قائلهم : (لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) بعد أن رأى سبعين صحابياً مضرجين بدمائهم على أرض أحد .
وفي عصرنا الحديث زايد المزايدون على نوري السعيد ثم قتلوه وسحلوه ولم يأتوا بما هو خير بل إنّ زعماءهم نفذوا مشاريع السعيد التي كان قد خططها في مجلس الإعمار . وزايد الآخرون في قضية فلسطين ومشروع وحدة العرب حتى ضاعت فلسطين وضاع العرب ، ولم يبقَ اليوم إلا القليل ممن يتحدث عن كيان اسمه الوطن العربي .
ثم أين ذهبت ثورة المليون شهيد ؟ ألم تسلـَّم إلى الثوريين الذين سحقوا شعبهم في الجزائر حتى حدثت ردّة الفعل الطائشة في بداية التسعينات وحوّلت البلاد إلى حمام دم لأكثر من عشر سنوات ؟ وأين ذهب شهداء الملاجئ البرميلية الذين رباهم الشيخ عبد العزيز كامل قبل حرب 73 كي يفجّروا الدبابات الإسرائيلية وهم داخل براميل تحت الأرض ؟ هل ذهبت دماؤهم سدىً وتحولت إلى نبيذ في منتجعات العهر والعريّ في شرم الشيخ ؟ أهذا هو ثمن الفداء والبطولة ؟
ولدينا اليوم مزايدات جديدة ، فما بين الرافضين للاتفاقية العراقية الأمريكية حتى يخرج المحتل وما هو بخارج وما نحن بخارجين من دوامته ودوامة الجيران إلا بعد حين ، وما بين المزايدين في الدفاع عن سيادة العراق التي أضاعوها وفرطوا بها منذ يوم الهرولة العظيم ، التاسع من نيسان !! وهؤلاء أعجز عن إعادة السيادة إلى بلدهم .
سجلنا منذ خمس سنوات تصريحاتٍ خطيرة بالصوت والصورة والكلمة المقروءة يطلق فيها بعض السياسيين العراقيين كلماتٍ لا معنى لها ، كقولهم : إنها قوات صديقة ، إنها قوات تحريرٍ لا احتلال ، ولولاها لما تخلصنا من النظام السابق ، وإن الاحتلال قد انتهى وعادت إلى العراق سيادته .. إلى غير ذلك من الهُراء . ونحن نعلمُ أن كلّ ما يقال لا يعدو أن يكون من ألاعيب السياسة وأكاذيبها، ولكن لماذا يُمعنُ السياسيون في الكذب على الناس ؟ ثم ألم تكن تلك التصريحات غير المسؤولة سبباً في إشعال الفتنة بين العراقيين، أم نريد أن يفهم الناس ما وراء الكلمة ؟. 
مساء السبت الماضي عرضت قناة الجزيرة في برنامج حوار مفتوح لقاءً مع الدكتور مثنى الضاري والسيد محمد الغراوي وتحدثا عن الاتفاقية ، وبتقديري لم يكونا موفقين في عرض الموانع أو المبررات لأن كليهما تعاطيا مع الملف بلغة الفعل ورد الفعل على اعتبار أن كلاً منهما يمثل تياراً نقيضاً للآخر في رؤيته للمشهد العراقي. إن المحاور التي خاضا فيها كانت هامشية ً مقارنة ً بحقيقة الاتفاقية. فأخونا الضاري يسبح في بحر أوهامه وكأننا اليوم قادرون على طرد المحتل بين عشية وضحاها!! وإذا كانت الفعّاليات الدينية والسياسية عاجزة إلى يومنا هذا عن توحيد كلمة العراقيين ، هل ستفلح المقاومة في إخراج المحتل سريعاً ؟ وأما السيد الغراوي فإنهُ ظل يلفّ ويدور مستدعياً الكلمات الفضفاضة التي لا تزيد العراقيين إلا تشوشاً .
 ليعلم العراقيون ذوو العقول النابهة التي صنعت الحضارة أن فتوى المرجعيات وإن كانت ضرورية ومهمة إلا أنها لا تغيّر من حقيقة الأمر شيئاًَ ، فإذا أفتوا بجواز الاتفاق أو حرمته فلا تعني شيئاً كبيراً لأنّ العبرة بما يملك الشعب من قوة على الأرض وليس مجرد الفتوى على الورق . ثم إن مفهوم السيادة أيها الإخوة ينبغي أن يُسأل عنه رجال القانون والسياسة والاقتصاد ، إذ لا سيادة كاملة بعد اليوم في ظل النظام العالمي الجديد . وحتى دولة كوبا التي تملك أرض غوانتنامو نظرياًً فإنها لا تملكها عملياً.
السيادة .. أيها الإخوة اليوم مفهومٌ نسبيّ ويمكن أن اقدمه سهلا بالمعنى الآتي فأقول : إن السيادة الحقيقية تكون حين يحصل الفردُ والأسرة والجماعة عليها . فالطائفة التي تستطيعُ أن ترفع رأسها شامخاً من دون أذىً أو اضطهاد وتمارس شعائرها التعبدية بحرية وتحصل على حقوقها المدنية كذلك ، فإنها تنعم بالسيادة بقدر ما تحصل عليه من تلك الحريات . وإلا فما معنى السيادة في بلد ، حكومته عراقية وحاكمه عراقيّ وحدودهُ مُسوَّرة بجيش عراقي ، إذا لم يكُن المرء ينعم فيه بأدنى حق من حقوقه المدنية أو الدينية؟ .  فلنكنْ قدر المسؤولية في وضع الأمور في نصابها . ألستم أيها القوم ترجون عودة مهجريكم ، وإطلاق معتقليكم ، وتوظيف رجالكم ، وتزويج شبابكم ، وترميم بيوتكم ، وإصلاح أرضكم، وتنقية مائكم ، ودوام كهربائكم ، وتكبير مآذنكم ، وابتسامة أطفالكم ، وعودة أمنكم وأمن الجميع ؟ إذا كان الجواب نعم فلا تخوضوا مع المزايدين واسألوهم وأحرجوهم ولا تتركوهم ، وقولوا لهم : عرّفوا لنا السيادة . ومتى يخرجُ العراق من هيمنة المحتل ؟ ومتى يُفطم من تدخل دول الجوار ؟ ومتى يبتسم الشيعي للسني ابتسامة صدق ؟ ويبتسم العربي للكردي والكردي للعربي؟  وإياكم أن تسفكوا دماء أبنائكم ثم تسلّموا البلاد للمستبد من جديد ، أو تحرروا العراق من المحتل المستورد وتسلّمونه إلى المحتل المحلّي . أيها القرّاء الكرام لنفهم جميعاً أننا وإياكم تحمّلنا تبعات السابق واللاحق ، وأن طريقنا جدُّ طويلة ، فلا الاتفاقية دواءٌ سحري ولا تركها ولا الخروج من الفصل السابع ولا البقاء فيه ، ولا فتوى المرجعيات ولا عدمها . إنما هو دواءٌ له ركنان .. حبُّ اللهِ وحبُّ الناس .
  
 

 ****

142 /  أ. بهاء الدين برهان النقشبندي

منذ الـ (Magna charta) أو الـ (Magna carta) اي الوثيقة العظمى وهي وثيقة الحقوق التي أكره النبلاء الانكليز الملك جون على اقرارها عام 1215م الى كتابة نظرية العقد الاجتماعي على يد جان جاك روسو والى عصرنا الحاضر، كانت دساتير الدول هي العامل الاساس في  قيامها على أسس سليمة وقويمة.
 في الادبيات السياسية يشار الى الدستور بمصطلح الاتفاقية او المعاهدة او الميثاق وكثيراً ما نقرأ في كتب السياسة عبارة The constitutional convention of 1787 اي الاتفاقية الدستورية لعام 1787 في اشارة الى الدستور الذي اتفق عليه الامريكان عام 1787 ، ويوحي لنا هذا التعبير أن الدستور هو اتفاقية أو معاهدة أو ميثاق بين مواطني دولة ما لتنظيم شؤون دولتهم وهذا يقودنا الى ان نفهم ان الدستور يجب ان يكون متفقاً عليه بين هؤلاء المواطنين طالما كانت معاني الاتفاقية والمعاهدة والميثاق لا تتحقق إلا بحصول التوافق بين كل الاطراف المشتركة فيها وهذا ما يعبر عنه بشرط التراضي في العقود فلا عقد دون تراضي اطراف العقد وإلا فهو عقد باطل ليس له قيمة أو أثر.
بدون دستور متفق عليه او متوافق عليه ، لا يمكن بناء دولة راسخة الاركان، لانه اذا لم يتحقق ذلك سيكون الدستور هو شرارة الخلاف والاختلاف بدلاً من ان يكون حجر الزاوية في التوافق والاتفاق وهذه مشكلة كبرى لأن الدواء -والمفترض هنا ان يكون هو الدستور- سيصبح هو الداء ولن تستقيم حياة على هذا النمط وإلا وصلنا الى حالة غياب الوعي وانعدام العقل التي يتحدث عنها ابو نواس بقوله:
دع عنك لومي فإن اللوم اغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء
فهل نجعل دستورنا داءنا الذي ينخر جسد دولتنا ويخدش صورة مواطنتنا، أم ننزع الى تعديله لنجعل منه ثوبنا الذي نرتديه جميعاً لنحتمي به من عاديات الدهر وتربص الاعداء ومؤامرات الجيران. اذا اخفقت الامم والشعوب في انتهاز فرص التقدم والازدهار دفعتها الجموع الى آخر الركب واذا تيسرت للعراقيين اليوم فرصة المراجعة من خلال المادة 142 التي اقتنصها الحزب الاسلامي العراقي من براثن ذئب فاتك في اللحظة الاخيرة، فإننا نجني بذلك على أنفسنا ووطننا وشعبنا واهلنا باضاعتها واهدارها.
ايها العراقيون جميعاً: اياكم ان تضيعوا هذه الفرصة فتضيع الدماء والتضحيات الجسيمة التي قدمتموها على مذبح وطنكم الحبيب، وترفعوا على مصالحكم الفئوية لصالح وطنكم فالتنازل لصالح الوطن هو الانتصار الأعظم .

 

 

 

 

 ****

 

 ليـُذيـَقــهُـم ... / د. عمار وجيـــه  

(هايد بارك ) متنزهٌ ربما يعدل أربعة أضعاف مساحة الزوراء . فيه يجتمعُ أهالي لندن، وهو ملتقى للشعراء والأدباء والفنانين والسياسيين ، ومنه يخرج العجب العجاب من فعّاليات المجتمع المدني ، وحتى المجانين يبحثون عن ضالتهم فيه لأنهُ سجادةٌ خضراءُ فسيحة مملوءة بأنواع الشجر تفتح شهية أرباب العواطف من عاقل ومجنون .
مررتُ من قربه صبيحة يومٍ فسألت صاحبي الداعية الذي كان بجواري في سيارة النقل : ترى أيها الإخوة، وأنتم تعيشون في بلد الحريات ، هل فكرتم في استثمار هذا المتنزه لدعوة الشعب البريطاني إلى الإسلام ولا سيما أنهم شعب مثقف؟ أجابني لا ، وللأسف لأننا منشغلون في همومنا الداخلية وتربية أولادنا في هذه البيئة الموبوءة . أردفت قائلاً: أليس من واجبكم أمام الله تعالى أن تبلغوا رسالته؟ قال : بالتأكيد. ولئن كانت الدعوة في (هايد بارك) واجبة فإنها في (المالكي بارك ) أوجب وأثوب . أيها الأحباب .. ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) ... جفافٌ يزحف على بلدي كالموت الزؤام ، وتصحّرٌ يحيط بقلب العراق كما يحيط الشغافُ المتليّفُ بقلب العليل . كلّ شيء ينقص في بلدي ، المال والولد والأمن والعمل والماء والكهرباء ، إلا الأراضي البور فإنها تزدادُ يوماً بعد يوم . بساتين النخيل الساحرات التي تغنّى بها بدر شاكر السياب ساعة السحر صارت أثراً بعد عين . غاباتُ الأترجّ والبرتقال والأجاص أمست خراباً بفعلنا أو فعل المحتل .
  مئات الألوف من الأبرياء يئنون في الغياهب . مواعيد الزيارة جدّ متباعدة وتقتصر على النساء . فربّ أرملة مهجّرة في الشام تأتي لتبيت ليلةً في بغداد ثُم ترحلُ مع الثكالى الأخريات نحو بوكا لتزور ولدها كلّ شهر أو شهرين ثم لا يسمح لها سوى بساعتين . أما الوضع في سجون بغداد فهو أدهى وأمرّ . فكم مرّةٍ عـُذبَ الأحرار ، وكم مرّة شـُتم الصحابة الكرام نكاية بالسجناء ، وكم من بريء فارق الحياة من شدة التعذيب ، وإلى الله المشتكى .   المعتقلون والمخطوفون في السجون السرية التي لا يعلم بوجودها إلا الله تعالى والقائمون عليها ولا ندري هل تدار بإرادة عراقية أم أمريكية أم إيرانية ؟ ، والله وحده الذي يعلم عدد المظلومين فيها ، وهو وحده الذي يعلم بحالهم وآهاتهم وتضرعهم إليه . وعشرات الألوف من الأجساد في مقابر جماعية هنا وهناك ، تصرخ أرواحها : ألا من مجيب ٍ فيجيبنا ليُعلـِمَ أهلنا بأننا هنا ؟ ألا من مجيب يجيبنا لعلّنا نخرج من هذه الحفر إلى قبورنا التي أعدّت لنا ؟ وقائمة الظلم تطول .. فعشرات الألوف من بني جلدتي يسرقون باسم الله !! واللهُ منهم يبرأ . ومثل عددهم يقتلون باسم الله !! والله منهم يبرأ . وغيرهم يزيّفون الحقائق ويحكمون بالهوى  ويدّعون أنهم يقضون بحكم الله وحُكمُ الله منهم براء . في الغرب عماراتٌ تبنى وعقاراتٌ تُشرى وأراضٍ تحازُ ومعامل تؤجرُ وشركاتٌ تؤسسُ ، والقائمون عليها يدّعون أن ريعها لعيال الله ، وعيال اللهِ ليس لهم سوى مجاري المياه الآسنة ، ونقل المياه الملوثة على الدواب ، والمبيت في الهياكل والمعسكرات وبُيوت الطين والخيام ، وتحت أقدامهم ذهبٌ أسود ليس لهم منه سوى الموت المؤكد .     تصوّروا أن جبال كردستان لم يبقَ فوق متونها شيءٌ من الثلج منذ نهاية الشتاء وأن بساطها الأخضر لم يُفرش هذا العام وأن حقولَ قمحها لم تتراقص لأنها بسهولة لم تولد أصلاً . تصوّروا أن نائباً في البرلمان يقولُ قبل أيام : إن السياحة في العراق أهمُ من الزراعة !!! للهِ درهُ من عبقري . وإذا كان عباقرة العراق الجدد يزهدون بالزرع ويكتفونَ باستيراده فإن للدواب والهوام حقاً على الإنسان أن يزرع لها البرسيم ، أم تريدونها أن تذهب إلى الأسواق المركزية لتشتري باقة الحشيش من ( الفاترينات ) في سوبر ماركت ( مازي أو نيو سيتي ) ؟ أيها القراء الكرام .. لو أحصينا الظلم في بلدي لشابت له الولدان، ألا فلتستحي الكتل السياسية من هذا الحال وهي تفاوض الأمريكان على السيادة .
ألا فليطلقوا عشرة آلاف بريء وليطعموا عشرة آلاف مسكين وليزوّجوا عشرة آلاف أرملة وليعيدوا عشرة آلاف عائلة فقيرة مهجّرة وليصالحوا عشرة آلاف وطنيّ من إخوانهم وليوظفوا عشرة آلاف خرّيج ولينصفوا عشرة آلاف طالبٍ مجتهد لعلهم يحصلون على الكليات التي يستحقون .   ثُم ليخرج السياسيون إلى البيداء ويضعوا خُدودهم على التراب ويذرفوا دمعة توبة وإنابة ثُم يُفاوضوا الأمريكان لعلّ الله يفتح لهم شيئاً للعراق ...  ولعلهم يرجعون .
 

****

التعديلات الدستورية والضرورات الوطنية / أ. إياد السامرائي

عندما اثار الحزب الاسلامي العراقي قضية التعديلات الدستورية ورفضه الموافقة على الدستور الا بوجود نص مرن يتيح هذه التعديلات لكل المواد فإنما انطلق من ادراكه للواقع وضغطه للدستور وغموض مواده ونقصها.
لقد عشنا مراحل اعداد الدستور لحظة بلحظة ووجدنا كيف كان يتم الهروب من الوضوح الى الغموض لعدم القدرة على حل المسائل الخلافية التي كانت بحاجة الى مزيد من التفاهم ومزيد من الثقة التي لم تكن متوفرة.
لقد كنا نعلم ابتداءً ان الوقت والممارسة كفيلان باظهار العيوب والنواقص التي ستكون من مصلحة الجميع معالجتها قبل استفحالها.
 لقد اثبتت الايام صدق ما ذهبنا اليه، فلجنة التعديلات الدستورية اضافت من المواد والتعديلات ما يعادل ما كان موجودا في الدستور، فالمادة 140 التي اصر اخواننا الكرد على عدم المساس بها لم تكن قابلة للتنفيذ بسبب غموضها واصبح تعديلها مفتاحا لتنفيذها.
والواجبات التي اناط الدستور رئيس الجمهورية بها، يجد رئيس الجمهورية نفسه غير قادر على تحقيقها، لأن الدستور لم يعطه الصلاحيات التي يمارس واجباته خلالها ولم يحدد الآليات التي بامكانه اتباعها.
والتناقض بين صلاحيات الاقاليم والحكومة الاتحادية كان السبب في تأخير تشريع قانون جديد للنفط نحن بأمس الحاجة اليه وقانون للموارد المالية يجد الاخوة الكرد انهم بأمس الحاجة اليه.
ونجد السلطة التشريعية والرقابية المتمثلة بمجلس النواب عاجزة عن محاسبة الفساد المستشري في السلطة التنفيذية، لأن الدستور الذي اعطى حقا للسلطة التشريعية لم يبن كيف يتم التعامل مع سلطة تنفيذية لا تستجيب للدستور الذي افترض نظاما اتحاديا واقاليم وصاغ التشريعات الدستورية بمقتضى ذلك، ولكنه اغفل ان هذا يحتاج الى شمول تدريجي معزز بنصوص تشريعية تعطي غطاء دستوريا لهذا التحول.
لذلك تجد السلطة التنفيذية اليوم نفسها في ورطة لأن الدستور يحرمها الكثير من الصلاحيات بافتراض اننا في نظام فيدرالي، ولكنها من ناحية اخرى تمارس دور السلطة المركزية من دون غطاء كاف، فتجد نفسها مضطرة الى خرق الدستور، ولا ندري هل تسامحها السلطة التشريعية مراعاةً للظروف، ام تحاسبها عندما تجد ان الحسابات السياسية تقتضي توظيف هذه المخالفات ضد السلطة التنفيذية؟.
في المحصلة نقول ان التعديلات الدستورية ليست مطلبا للحزب الاسلامي العراقي او لجبهة التوافق العراقية من دون غيرهما بل هو اليوم ضرورة وطنية لابد منها اذا اريد لهذا العراق ان ينهض ويقف على قدميه.
القضية لا تتعلق بماهية المكاسب التي يحققها الكرد او العرب او الشيعة او السنة، ولكن القضية هي اين هو الدستور الذي نحتاج اليه في بناء العراق بموجبه ويشعر المواطن العراقي أيا كان انتماؤه بأن حقوقه ومصالحه وامنه ومستقبله هو في هذا الدستور، وتتحقق من خلاله وحدة وطنية هي اساس لتكوين هوية عراقية واحدة من غير خصوصيات قومية او مذهبية والتي اخذت الحجة لتدمير النسيج الوطني العراقي.

****

إنســــــحـاب /  أ. بهاء الدين برهان النقشبندي

من المفاهيم غير المرغوب فيها في عالم السياسة والستراتيجية مفهوم الانسحاب. بشكل عام الانسحاب يعني الفشل والهزيمة ويعني في الوقت نفسه التنازل عن الحق للطرف المقابل الذي سوف يستفيد من هذه الحالة لتوسيع رقعته ودعم نفوذه وزيادة مكاسبه.
 في تاريخ الامم وخصوصاً التاريخ العسكري منه، كانت الانسحابات دوماً بداية الانكسار وطريقاً الى الهزيمة الساحقة، إلا في حالة ما يسمى بالانسحاب التكتيكي، وهو الانسحاب المؤقت الذي يستهدف اعادة التنظيم والتشكيل للقوة والموارد لغرض العودة بشكل اقوى من ذي قبل والشرط الاساس لمثل هذا النوع من الانسحابات ألا يؤدي هذا الى تغيير مساحات القوة والتأثير بشكل يضر بالموقع الستراتيجي للطرف المنسحب وهذه نقطة يجب ان لا تغيب مطلقاً عن ذهن صانع القرار ، وإلا سقط في فخ مميت يقوده الى الخسارة.
 اذاً، هناك نوعان من الانسحاب : ستراتيجي strategic withdrawal  وتكتيكي tactical withdrawal والتمييز بينهما في غاية الأهمية والخلط بينهما كارثة حقيقية. في الحرب عندما ينسحب أحد الطرفين ينقض عليه العدو مستغلاً بعثرة الصف التي تحصل اثناء عملية الانسحاب، والسياسة هي حرب بأسلوب آخر وينطبق عليها ما ينطبق على كثير من الحروب.
في عهد عبدالناصر ارتبطت الانسحابات بالهزائم الفاضحة في التاريخ، فانسحاب الجيش المصري من سيناء في عام 1956 وتكرار ذلك عام 1967، وانسحاب الجيش العراقي من الكويت والجيش الالماني في ستالينغراد وقبل ذلك انسحاب نابليون من روسيا .. الخ، كلها انسحابات جرّت كوارث على شعوبها.
هناك كذلك نقطة اساسية في العلم العسكري والسياسة وهي ان عدم استغلال انسحاب العدو يمكن أن يقلّب موازين القوى بعد ان يتمكن المنسحب من الافلات ثم يعيد ترتيب قوته ودخول المضمار من جديد.
بعد احتلال هتلر لفرنسا عام 1941 حوصر الحلفاء في جيب مهلك في دنكرك قرب بحر المانش، إلا ان هتلر كان لا يرغب في القضاء على الجيش البريطاني، املاً في التفاوض مع البريطانيين لتحقيق طموحاته، فاستغل البريطانيون الفرصة وسحبوا قواتهم بسلام من دون ان يتعرض اليها هتلر، وكان هذا خطأ هتلر القاتل الذي انتهى به الى خسارة الحرب.
على السياسيين أن ينتبهوا الى أن التركيز يجب ان يكون على النتائج والمآلات لا الافعال والمقدمات، فاغفال النتائج هو المشكلة الكبرى التي تقود الى الهاوية .

****

شر البليـّة ما يبكي ! /  د. عمار وجيـــه

يحزنني أن الناس في بلدي يأخذون بالمثل القائل (الشقي من اتعظ بنفسه) وينسون الأصل وهو (السعيد من اتعظ بغيره).
وكم كان بعض المتعجلين ينتقدون الدكتور محسن عبد الحميد  حين أوصى بالنظر إلى المقاصد والمآلات ، ومراقبة المشهد العراقي من كل زواياه والتعاطي معه بحكمة ورويّة . وأنّ الأصل وحدة العراقيين في اتجاهاتهم قبل تبني نظرية واحدة  لإخراج المحتل .
  لقد اتهمه بعضهم بالتباطؤ عن نصرة قضية العراق العادلة لأنهم بسهولة لم يكونوا يستوعبون حكمته وخبرته التي تراكمت على مرّ عقود قضاها في خدمة الدين والدعوة . واليوم أخذت تتضح ملامح هذه الحكمة.
المضحك المبكي في عالمنا السياسي اليوم أن دول الجوار في الشرق والغرب صارت تلحّ على بعض الأحزاب  لرصّ الصف وتوحيد الكلمة ورفض ما جاء في المسوَّدة الأولى من الاتفاقية العراقية الأمريكية  ، وأن معظم الأحزاب أمست اليوم تتحدث بلسان واحد وهو لسان الشجب والاعتراض على كثير من بنود الاتفاقية .
  إننا نعجب اليوم إذ نلمس - ولو ظاهراً في الإعلام - تقارباً كبيراً بين شتى الفعّاليات السياسية المشاركة والرافضة ، وإلا فما الذي يفرّق بين موقف الهيئة وال