استفتاء    






مقــــــــــــــالات

وأفكـــار ..         

 


لا مرحباً بكم / د. عمــــــــار وجيه

حين تآمرت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم أرسلوا من كل قبيلة شاباً كي يتوزع الدم الطاهر بين القبائل ، ولكن الله تعالى سلّم وحفظ محمداً ودعوته .
واليوم وكي لا يتهم حزب بعينه أو قائد ما بتوريط العراق بفاجعة الاحتلال قرر الزعماء ومنذ قرن من الزمان جهلاً أو علماً أن يوزعوا دم العراق بين الأنظمة الحاكمة والأحزاب المتنفذة حتى سلموه على طبق من ذهب إلى المحتل في وقت كان الشعب فيه يتضور ويعاني العزلة عن العالم ولا يدري ما يحاك له ، فضلاً على شرائح ومكونات ذاقت الأمرّين من الأنظمة الأحادية ولا تزال إن لم نقل بأنّ دائرة المظالم قد اتسعت نتيجة لسوء الظن والتهافت على المكاسب .
الاحتلال البغيض ما جاء ليربت على أكتافنا ولا ليخلـّصنا من الدكتاتور بلا ثمن ، وإذا كانت الأحزاب اليوم لا تقدّم الخدمات من دون مقابل وهي عراقية ! فإن المحتل الأمريكي أولى بهذا الوصف . ولا بدّ أن نعيد شريط الذاكرة سريعاً ونتصفح أيام غارنر صاحب الصفقات المشبوهة في الخارج وبريمر الذي قلب العراق رأساً على عقب وسرّح الجيش والشرطة بلا مناصب ولا رواتب ولا حماية أمنية ليذرهم عرضة للتصفيات الجسدية وبلا استثناء ! وكل من اقتنى بندقية جديدة يجربها برأس أحدهم ، وما أكثر التهم الجاهزة ! ثم جاء زلماي ذو الحيل الذكية كي يمضي بالعملية السياسية ويقنع المجتمع الدولي بأن الأطياف كلها شاركت ، ثم نيغروبونتي الذي وصف سابقاً بأنه مهندس الحرب الأهلية والذي تزامن قدومه مع فتنة سامراء التي وقف فيها الجيش الأمريكي متفرجاً على القتل والحرق والتهجير في وقت وقف فيه التوافق وقادته وقفة الأسود التي لن ينساها لهم التأريخ أبداً ، وقدموا الشهداء من أبنائهم وإخوانهم وكذا المعتقلين لأجل أن يخمدوا نار الفتنة ويوقفوا الحرب المجنونة ، ثم أهل هلال كروكر ليسوّق الاتفاقية الأمنية ، ... وإلى آخر السفراء الذين لا يعلم إلا الله متى يرحلون ؟
لماذا كل هذا الظلم ؟ ومن المستفيد ؟ فأمريكا الغازية لحقها العار والشنار ، ودول الجوار ارتعدت فرائصها وتزلزلت عروشها وارتكبت الخطايا تلو الخطايا بحق العراقيين إلا من رحم ربي ، والحكومات العراقية المتعاقبة مرتبكة ومشوشة لا تعلم أترضي شعبها أم جيرانها أم المحتل ؟ والفتنة تذر الحليم حيران ، والشعب وكالعادة يعيش بين المطرقة والسندان ، كل يوم هو في شان ، مصيبة تلو أخرى ، فلا الطوائف اليوم في وئام ولا الأعراق . حتى بلغ السخف فينا أن نختلف على عراقية كركوك ونعجز عن التنازل بغية إيجاد حل يعيد الحق والراحة إلى الشعب المنكوب . لماذا كل ذلك ؟ ليبقى رأس تكساس عالياً ؟ أم لينام نتنياهو قرير العين ؟
أيها الجيش الأمريكي الذي قدمت إلى العراق بأمر قادتك ، لا مرحباً بكم بعد أن فعلتم ما فعلتم ، ويكفي أن نقارن بين الفتح الإسلامي للصين بلا دماء وبين تحريركم المزعوم الذي تركتم في كل يتيم يلعن اليوم الذي زرتم فيه أرض الأنبياء والأولياء . ولئن زعمتم أنكم سوقتم إلينا الديمقراطية فإنّ ثمنها كان أغلى مما ينبغي وقد أوشك بعض قادتنا اليوم أن يفرغوها من محتواها .
تحية إلى كل عراقيّ مؤمن يخاف الله ويحرّم الظلم ويمتنع عنه ، تحية إلى كل مكلوم صابر ، وأسير مصابر ، تحية إلى كل ذات أيتام عفـّت عن الحرام ، تحية إلى الشيوخ والشباب ، وإلى النساء والرجال ، وإلى المعتقلين الذين عفـّوا عن الدم الحرام ، وإلى كلّ مجاهد لم يبتغِ سوى وجه الله تعالى متحرياً الصواب ، وإلى كل سياسيّ صدق مع الله لنصرة الشعب ووحدة العراق .

****

ما حكّ جلدَك مثلُ ظـُفْرِك / أ. بهاء الدين النقشبندي

عندما تتعرض الشعوب الى امتحانات قاسية خلال تاريخها يتوجب عليها ان تنهض وتتحمل المسؤولية هي بنفسها وتجتاز تلك المحطات الصعبة، ولكم تعرض شعب العراق العظيم منذ اكثر من خمسة آلاف سنة الى محن ومصاعب وغزو وغزاة، إلا انه اجتاز كل ذلك ونهض من عثرته كأسد هصور ألمت به ملمة وتعرض الى جرح ثم ما لبث أن توكأ على ذاته وتحامل على جراحاته وانطلق من جديد بتفاؤل وروح لا تقبل الاستسلام ولا ترضى بالخنوع.
لقد احتلت بغداد عبر تأريخها (21) مرة، لكنها بقيت شامخة حرّة.
اليوم شعبنا أمام احد المفاصل المهمة في حياته ومطالب بأن يفصح عن معدنه النفيس وأن يقوم بنفسه ويحمي أمنه ومستقبله بعد ان انسحبت القوات الامريكية من المدن والقصبات .
سيحاول الاعداء ان ينالوا من أمننا واستقرارنا وسيحاولون افشال تسلم قواتنا الملف الأمني بشتى الطرق لأن هناك اجندات عديدة لهؤلاء الذين يريدون ايذاء اهلنا وبلدنا . ان امامنا عقبة كؤودا يجب علينا قطعها وليس ذلك بعسير علينا اذا وضعنا يداً بيد، وكنا على قلب رجل واحد، يحب العراق ويسري حبه في جسده مسرى الدم من العروق، لكننا مع كل ذلك نحتاج الى ان نتوكل على الله العظيم ونستمد منه العون والمدد ثم بعد ذلك نعتمد على انفسنا، فقديماً قيل:
مـا حـكّ جلـدك مثلُ ظفــرك
فتــولَّ أنتَ جميـعَ أمــرك
لن ينفعنا الأجنبي لأنه يبحث عن مصلحته فحسب، ولن ينفعنا من ليس منا ولا هو من بني جلدتنا لأنه بالتأكيد يبغي فائدة قومه ولو على حساب دمائنا وعذابنا.
بعد كل هذا نقول انه ليس لنا من مفر إلا وحدتنا وتكاتفنا ونسيان خلافاتنا واختلافاتنا وليس لنا إلا بعضنا واخوتنا.
حفظ الله العراق وأهله، اللهم آمين .

****

المرجعية الشرعية بين الإرشاد والوصاية / د. عمار وجيه

الأحداث الساخنة اليوم في إيران لها قراءات كثيرة، منها التعبير عن الاستياء من حالة العزلة التي تمر بها الدولة ويتجرعها الشعب، ومنها التذمر من الوضع الاقتصادي الذي لا يلبي الطموح وإنفاق المال على الترسانة العسكرية، ومنها ضجر الملايين من رجال الدين، ومنها الرغبة في التغيير نحو العلمانية، ومنها صراع طبقي، وأسباب أخرى وأخرى .  وأياً كانت الأسباب ومبرراتها، وأيّاً كانت الرغبة الخارجية في التغيير، فإنّ من المهم جداً أن ندرس ظاهرة التوجيه الديني للدولة وصلاحيات المرشد الأعلى أو المرجع . وبعيداً عن الخلافات المذهبية وتركيزاً على المبدأ من حيث هو وكما هو، سوف أعرّج على ظاهرة التوجيه من منطلق فكري كي نقف وقفة متأمل ومتدبر .
 فالساحة الإيرانية التي كانت تقدّم عشرات الألوف من الناس فداء للمرجعية، أمست اليوم تشهد تغييراً لافتاً للنظر . إذ كان من المتوقع أن يستجيب الناس لخطاب المرشد الأعلى الذي يدعو فيه إلى رأب الصدع والرضا بالنتائج، إلا إن المفاجئ وفي الأقل للرأي العام الدولي والشعبي أن التمرد والتذمر استمرّ وتنامى وأجج الغرب وصحافته وتفرغ الإعلام الإسرائيلي لانتقاده فحسب .
  ترى هل من الممكن مراجعة ظاهرة الإرشاد الديني للسلطة وتقويمها؟ وهل ما تمارسه إيران وربما غيرها من الدول هو صواب أم خطأ؟ وهل يصب في خدمة الدين والقيم أم العكس؟ بعجالة أقول: إن وجود الإرشاد والتوجيه والمراجعة والتقويم والتصويب أمر لا غبار عليه شرعاً وعقلاً، لأنّ الفقيه هو الأعرف بمقاصد الشرع وكليات الشريعة بل حتى جزئياتها، وإن ذلك لا يعارض حرية الرأي ولا حقوق الإنسان ولا تعدد المنابر لأنها أصلاً مكفولة في الإسلام إذ (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ)، إلا إنّ ما ينقص بعض التجارب المعاصرة في قضية الإرشاد والتوجيه هو ما يأتي : أولها هو التأخر في الاستجابة للقضايا المعاصرة وإصدار الفتاوى المناسبة لها في ضوء أدلة الأحكام، ولعلّ الكثير منا يتذكر قضية السندات المصرفية والجدل الطويل الذي دار حولها، ثانيها هو التأخر وعدم الجدية في عقد المؤتمرات الشرعية القطرية والعالمية التي يفترض فيها مناقشة المستجدات على الساحة الإسلامية وإصدار الفتاوى والمواقف الشرعية إزاءها ولو فعّلت هذه المؤتمرات لحصلنا على الإجماع وهو الدليل الثالث بعد الكتاب والسنة، ثالثها هو الاستبداد لدى بعض المراجع بسبب الثناء والمديح والتبجيل الذي يطغي البشر إلا من رحم ربي (كلا إنّ الإنسان ليطغى* أن رآه استغنى)، رابعها هو المجاملة التي تكون بين المراجع وبين السياسيين لأنّ السياسيين في الغالب يفرضون ضغوطاً واقعية في الحقّ وفي الباطل، خامسها هو التسييس غير المقبول للشرع فقد يتساهل بعض العلماء بذرائع شتى ويتمددون كثيراً في تفسير المصالح والمفاسد، ولولا هذا التراخي والتماهي لما سفكت بين المسلمين دماء ولا ظهر بعض الفاسدين الذين تملكوا الضيعات وتاجروا بالمخدرات وهم تحت مظلة المرجع، وربما لا يستطيع ذلك المرجع أن يعترض أو يعاقب خوفاً من بطشهم أو مما هو أسوأ أو خوفاً من ضياع القضية ! وفي الحقيقة ونتيجة لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تضيع القضية وتضيع الأمة وتظهر نتيجة مخطوءة لدى الجمهور أنّ العلمانية خير من الإسلام ! ويضيع الشعب هذه المرة في متاهات الانحراف العلني المجاهر به بعد أن كان يعاني الانحراف السرّي وكلاهما مصيبة .
 إنّ وجود مجموعة، وليس فردا، على رأس منظومة حسبة أو رقابة أو سيطرة نوعية تقوّم أداء السلطة التنفيذية أمر لا بدّ منه، وكلما تطوّر هذا الجهاز وحافظ على مبادئه واستقلاليته وصيانته دستورياً، وانتخب الشعب له خيرة رجاله، ومن شتى الاختصاصات الشرعية والدنيوية ليتحقق التكامل، عندئذ نكون قد اقتربنا أكثر من الاعتدال والوسطية والنزاهة وتحقيق مراد الشارع وهو رضا الله تعالى بخدمة شعوبنا بإخلاص ونكران ذات وتنمية قدراتهم والمحافظة على جوهر الإسلام وسلوكياته قدر المستطاع ونشر الوعي والفضيلة وتحويل بلداننا الإسلامية إلى رقم صعب في المعادلة الدولية لتعود لنا الهيبة كما كانت .
 لقد ارتكبت إيران أخطاء كبيرة على مدى ثلاثين عاماً، وبدلاً من أن تكون شوكة للمسلمين أمست عبئاً عليهم، وإلا فبالله عليكم هل يسرّ أحداً من المسلمين أن يحاصر بلد آخر مسلم أو يقصف أو يحتل، لولا أنه يلجئ الناس إلى ذلك ؟ إنه درس لجميع الحكام في البلاد العربية والإسلامية للمراجعة بدلاً من أن يحوّلوا بلدانهم إلى فرجة للغرب وإسرائيل ويتهكم فيهم من تهكم. وما العدل الإلهي عن هذا المشهد ببعيد (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم).

****

بلد الماء بلا ماء !! / أ. بهاء الدين النقشبندي

كثر الحديث مؤخرا عن النقص الحاد في حصة العراق المائية في نهري دجلة والفرات الى الحد الذي يهدد بكارثة كبيرة يمكن ان تلحق بوطننا الحبيب اذا لم يتم تدارك الامر عاجلاً ، تقول بعض التوقعات الصادرة عن منظمات اوربية معنية بموضوع المياه انه بحلول عام (2040) فإن نهري دجلة والفرات سيجفان تماماً داخل الحدود العراقية وذلك بعد اكمال مشروع (الكاب) في تركيا والذي يهدف الى انشاء اكثر من ثمانين سداً شرقي الأناضول كما ان الجانب الايراني كذلك يقوم بتحويل مجرى كثير من الانهار المتجهة الى داخل الحدود العراقية مما سبّب جفاف كثير من هذه الانهار ومن ضمنها نهر الكارون وكذلك بعض الاهوار المهمة كهور الحويزة.
اعتقد اننا بحاجة الى اعلان حالة الطوارئ المائية في العراق للتعامل مع هذا الوضع الخطير خصوصاً اننا كنا نسمع دائماً ان القرن الحادي والعشرين سيكون قرن حروب المياه بسبب الشح المتوقع وزحف الصحراء في كثير من بلدان العالم ولاسيما في منطقة الشرق الاوسط . يوماً قال تورغوت اوزال الرئيس التركي الاسبق: (سنستبدل برميل بترول بكل برميل ماء).
 في علم التخطيط يقولون اذا لم تخطط لنفسك سيقوم غيرك بالتخطيط لك، ولكن حسب مصالحه هو ، ولن يأخذ بنظر الاعتبار مصالحك ومصالح شعبك لأن هذه هي قوانين السياسة الدولية فالمصلحة هي القانون الحاكم وليس شيئاً آخر غيره لذلك علينا أن نصحو قبل فوات الآوان لكي لا يصبح بلدنا بلد الرافدين والماء بلا ماء !! .

****

عندما يُغتال الحب / د. عمــــــــار وجيه

ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (خير الاسماء عبد الله وعبدالرحمن ونحو هذا، وأصدق الأسماء الحارث وهمّام، حارثٌ لدنياه ولدينه وهمّامٌ بهما، وشرُّ الاسماء حربٌ ومُرّة).
وذلك مصداق لقوله تعالى "من كان يريدُ حرثَ الآخرةِ نزدْ له في حرثهِ ومن كان يريدُ حرثَ الدنيا نؤتهِ منها وماله في الآخرة من نصيب).
فهل كان الشهيد الدكتور حارث العبيدي حارثاً لدينهِ أم دنياه؟، ربما تكون الأسطر القادمة مقدّمة للإجابة .. فحارثٌ أحبَّ الناس وعالجَ القطيعة بالحبّ والصِلة ، ولم تحمله المجاملات على ترك قول الحق إذا توجّب قولُه . دافع عن عشرات الألوف من المظلومين في غياهب السجون في زمن العراق الجديد والديمقراطية الفتية التي مازالت تحبو وفي زمن قلّ فيه الثقات والواثقون من خطاهم وفي زمن ٍ أصبح الكذبُ والنفاق فيه دنياً وفي زمنٍ أمسى فيه البياضُ سواداً والسوادُ بياضاً.
تعجّبت أيما عجب عندما رأيتُ نائبةً من الائتلاف تبكي بصدق ٍ على استشهاد زعيم كتلة التوافق، وتعلمون عِظم المشاكل بين الكتلتين نتيجة الفتنة العمياء التي وقعت قبل بضع سنوات.
أدركت حين رأيت دموعها بأنّ الحبَّ أعظمُ من التعصب الطائفي الذي لا يبنى على علمٍ أو دليل.
وتعجبت ايضاً لكثرة شعبيته وطيب سمعته لدى الجميع وأكّد ذلك عندي المعنى الذي ذكرت.
إذا كان الدكتور حارث العبيدي يرجح في كل مرة الابتسام على الغضب والحوار على الخصومة والتواصل على القطيعة ، ويرطب حديثه بمزحةٍ ودعابة ويتواصل مع الرجال والنساء معاً من دون إخلال بشرع الله، فلماذا يُستهدف؟
وإذا كان قد جنـّد نفسه لنصرةِ المعتقلين والدفاع عن حقوقهم فلماذا يُستهدف؟
وإذا كان حافظاً لكتاب الله ومفسراً ومعلّماً للفقه وباذلاً لوقتهِ من أجل ذلك محتسباً كلّ ذلك عند الله تعالى فلماذا يُستهدَف؟! وعندما يتأمل المتأمل في الجهة التي يمكن أن تذبح هذه الوردةَ الآنيقة التي تملأ الروض عطراً ، يعود الى الذاكرة مشهدٌ رواه لنا الدكتور سمير الأعظمي الذي كان طبيباً متخصصاً في مستشفى الأمراض الصدرية في التويثة، حيث ذكر أنه كان يوماً ينظر من شرفةِ غرفته ويتأمل حديقة المستشفى فرأى أحد المرضى المصابين بالسّل الرئوي يجول في تلك الحديقة.
تلفـت ذلك المريض يمنة ويسرة فلم يجد أحداً فعمد الى وردةٍ حمراء وفتحها ثمَّ بصق فيها!!.
فضحك الطبيب ألماً وقال: يبدو بأن السلّ المزمن قد أحدث لوثة ً في عقل ذلك المريض.
ترى هل أصيب قاتلو حارث بلوثةٍ في عقولهم من جرّاء إصابتهم بالسّل المزمن، وإلا فمن ذا الذي يغتال الحبّ إذا لم يكن أصلاً قد جُبلَ على الكراهية؟!!.
أفلا يعقلون!! .

****

أعلـم وليس أفقـه ! / أ. بهاء الدين النقشبندي

عندما كنا طلاباً في الجامعة ، عرفنا نوعين من الاساتذة، الأول منهما ذا علم غزير واحاطة واسعة ، ولكنه مدرس فاشل لا يستطيع ايصال علمه ومعلوماته الى الطلبة كأنه جهاز الكتروني متطور من دون اسلاك توصيل، ومنهم من يمتلك علماً متواضعاً، لكنه سهل العبارة، واضح الأسلوب، اذا استمعت اليه فهمت الدرس وهضمت الموضوع وخرجت منه بحصيلة وافرة ومادة ثمينة.
فالصنف الأول يعلم ويعلّم والآخر يعلم، ولكنه لايستطيع ان يعلم، والآخر يعلم ويعلّم.
والعلماء كذلك فريقان ، فمنهم من هو عالم فقيه يحوّل علمه الى حياة للناس والأمة ، ومنهم من يقف به ذلك العلم في حدود النصوص فيجمد عليها من دون الغوص في مراميها ومقاصدها .
في حياتنا الكثير ممن لا يحسن إعمال عقله ، بالرغم من حفظه الواسع للنصوص ، إلا انه كالماكنة التي لا تحسن ان تعمل إلا على وفق نمط واحد وبطريقة واحدة، هؤلاء هم من يوقفون حركة الحياة وتقدمها وينزعون منها حيويتها وتدفقها ، اما الصف الثاني فهم صنّـاعها الذين يدفعون بها الى الأمام في طريق النماء والتفاؤل وحب الخير لكل الناس مهما كان شكلهم ولونهم وفي أي ارض كانوا. من كل ما تحدثنا به نخلص الى القول انه ليس كل عالم فقيهاً ولو كان يضم بين جنبيه علم الاولين والآخرين !! .

****

بولبرين / د. عمـــــار وجيه

العراقيون فنانون في (جقلبة) الكلمات ، فهم يغيرون العبارات الإنكليزية إلى أخرى تناسب منطقهم ، ويطلقون اسم الكاردن في السيارة على الكرايندر ، واسم الفلاوين على الفلايويل ، واسم البولبرين على البولبيرنك ولأن الشعب العراقي اعتاد أن يدور في حلقة مفرغة فإنه قد أمسى مثل البولبرين الذي يدور بين حلقتين ويتم التصدق عليه بشيء من الزيت يقيم صلبه بعض الوقت كي لا تسحق عظامه بين تلك الحلقتين القاسيتين ، شأنه في ذلك شأن المواطن الذي يتسلم الحصة التموينية البائسة كي لا يتضور جوعاً .
 الحلقتان اللتان تحيطان بكرات البولبرين تنوعتا ، فتارة يسحق العراقي بين أمريكا وإيران ، وأخرى بين الحكومة الاتحادية والإقليمية ، وثالثة بين جناحين من أجنحة الحكومة المحلية . بالأمس سمعنا خلافات في بعض المحافظات الجنوبية على منصب المحافظ ، وستر الله أنها لم تصل إلى الاحتراب ، واليوم يتصاعد العنف في كركوك ويستمر النزيف والكل يعلم من الجاني ومن المجنى عليه ، وهل ننسى تفجير الحافلة التي تقلّ موظفي نفط كركوك أم ننسى التفجير الآثم في مطعم عبد الله ؟
 أما ما يحدث في نينوى فعجب عجاب . أطراف اختلفت بشأن عائدية بعض الأقضية هل هي لنينوى أم لغيرها ؟ ووقف الشعب في المدينة وضواحيها يترقب ، فابن المدينة يشكو الخوف والجوع وتردي الخدمات ، وابن الريف يشكو الطريق والمضايقات وتدهور الوضع الاقتصادي وغير ذلك . والكل حائر ويريد حلاً . إلا ان بعض الأطراف المحلية والمركزية لا تسهم في الحل لأنها تخشى أن يلحق الحل بها ضرراً في الانتخابات القريبة المقبلة، ودافع الفاتورة هو الشعب لا غيره .
 دعونا نعود قليلاً إلى الوراء، فيوم أن تشكلت حكومة الوحدة الوطنية في مطلع 2006 تحولت وبجدارة إلى حكومة المجزرة الوطنية ولبس الناس ثوب الرعب عامين أو أكثر . وعندما انطلقت الحملات الانتخابية لمجالس المحافظات وشمر المرشحون عن سواعدهم لأجل الإعمار والتنمية ، فوجئوا بحجم الفساد والديون المترتبة على المحافظات والعراقيل المتأتية من الأجندات السياسية والبيروقراطيات . واليوم وقد مضى بضعة أشهر على تشكيل المجالس لم ير الناس شيئاً يذكـر .
 ولنأخذ الماء مثلاً ، أخبروني بالله عليكم ، كم محافظة في العراق تشرب ماء صالحاً للشرب ؟ البصرة ! أم كربلاء ! أم كركوك ! أم العاصمة بغداد ! وهل يعقل أن تكون العاصمة المقدسة عند إخواننا الشيعة مهملة إلى هذا الحد ؟ ومن المسؤول ؟ ومن يمثل حلقتي البولبرين ؟ هل هما الحكومة المركزية والمحلية ؟ أم الحكومة والحزب المتنفذ ؟ أم من ؟.
 لا بدّ أن يفهم القائمون على أمر المسلمين من أية جهة كانوا ، أن الناس لا تفهم الحيثيات والاعتبارات السياسية المعقدة ، واننا جميعاً مسؤولون لتلبية احتياجات شعبنا . الحاجات الضرورية خط أحمر لا مساومة عليها . أم أن يقال بأن المناورات السياسية التي يدفع ثمنها الشعب غالياً هي أمر مبرر فهذا هراء ، ولا يعقل بأن أيديولوجية ما تدعي بأنها جاءت لخير الشعب تقوم هي نفسها باستخدامه وقوداً لنار الشدّ والجذب حتى إذا تأخرت المفاوضات السياسية قام القوم بعملية أمنية أحرقوا فيها الغالي والنفيس من باب ممارسة الضغط السياسي على الطرف الآخر . وحين تسأله لماذا كل ذلك العنف ؟ يقول لمصلحة الشعب !! وهل يحرق الشعب لأجل الشعب ؟ ولو كان جهاداً لطرد الغزاة لقلنا إنه ثمن محسوب ، أما أن يقتل العراقيون لأجل نظرية أو فرضية لا علاقة لها بالثوابت فهذا، لعمر الحق، إجرام ما بعده إجرام ، وهو الذي يفسر ربط القرآن الكريم الجريمة بالسياسة الخاطئة ، وراجعوا إن شئتم الآيات التي وردت فيها كلمة (أجرم أو مجرم).
 أيها الحكام .. أيها السياسيون .. أيها الوحدويون .. أيها الفيدراليون .. أيها المنظرون .. كفى أذىً للناس بغير حقّ .. آن لكم أن تخرجوا شعبكم من ( البولبرين ) قبل أن تسحق عظامه بين المطرقة والسندان .

****

مصادرة العقول / أ. بهاء الدين النقشبندي

سمعنا كثيرا عن عمليات سرقة وسطو قام بها لصوص وسراق على مدار التأريخ ، وفي بعض  الأحيان كنا نسمع عن اكبر عملية سطو على مصرف أو متحف او معرض للمجوهرات، وقد تبلغ المسروقات ملايين الدولارات او حتى مئات الملايين منها، ولكننا نتساءل هل  هذه العمليات هي اكبر أعمال السطو أو السرقة؟! .. ام ان هناك ما هو أكبر منها وأشد خطراً وأبلغ اثراً وتخريباً، ولكنه غير واضح ، بل ينساب انسياباً من دون ان يشعر به احد او ينتبه له مراقب ، نعم انه السطو على العقول وسرقتها ومصادرتها وعدم السماح لها بأن تعمل كما يريد بارئها ،عز وجل، الذي ذكر في كتابه العظيم (49) آية تحتوي على مشتقات كلمة (عقل) وفي كثير من هذه الآيات يأتي النص بصيغة الاستفهام الانكاري بعبارة (افلا تعقلون؟!) أو (افلا يعقلون؟!) او (ان كنتم تعقلون؟!) ولا أظن ان هناك كتاباً مقدساً يدعو الى استخدام العقل بهذه الصورة وبهذه الكثافة وينعى على تعطيله مثل القرآن الكريم.
لقد شرع الله تبارك وتعالى الاديان لهدف اساس هو تحرير خيارات الانسان وتركه ليحدد طريقه في الحياة كما يشاء، يقول تعالى : (لا اكراه في الدين) ويقول: (انا هديناه السبيل اما شاكراً واما كفورا).
ومن العجيب ان ربنا جل ثناؤه يستخدم هنا لفظة (هديناه) التي يعني بها تحرير خيارات هذا الانسان وتبين الطريق له من دون اكراهه على سلوك طريق الايمان او طريق الكفر، أي ان الهداية لا تعني اكراه البشر على اختيار طريق الايمان، لأن الله اراد للانسان ان يستخدم عقله للوصول الى طريق الحق، لذلك قال العلماء : (ان العقيدة لا يصح فيها التقليد).
ومن هنا فمن دون حرية واستخدام للعقل ليس هناك معنى للانسانية ولو لجزء يسير منها لذلك كان السطو على العقول ومصادرتها أقسى وأصعب انواع السطو والمصادرة على جميع المستويات وبكل المقاييس .

****

بكا ... لوريا / د. عمــــــــــــار وجيه

إذا انتصف نيسان ، وأفلت شقائق النعمان ، واصفرت السفوح وجفت الغدران ، آن الأوان لشدّ العصائب على رؤوس القرعان ، وأعلن الآباء والأمهات حالة الطوارئ واضطربت قلوب الولدان .
إنها البكالوريا التي من هولها بكا .. لوريا ، ولا ندري هل نجح أم رسب يومئذ !!
وفي العراق يبكي كل عام أكثر من ألف لوريا ، ويضحك ألوف .
الطالب الذي دخل السادس الابتدائي في سنة الاحتلال ، اليوم يشارك في الامتحان الوزاري . معنى ذلك أن جيل الوزاري اليوم قد أكمل الدراسة المتوسطة والإعدادية في ظل الاحتلال . أيّ دراسة ؟ وأيّ استقرار ؟ وأيّ تعليم ؟ !! الطالب والطالبة اللذان يفترض أن يقضيا زهرة شبابهما في جو من الاستقرار والأمن أصبحا ضحيتين لسفاهة الأمريكان ومغامرات السياسيين وحماقات وجرائم المرتزقة ، وسيأتي اليوم الذي يحتاج فيه العراق إلى خبرات علمية وإنسانية متنوعة فماذا يجني من هذا الجيل المنكوب؟.
البكالوريا طقس مقدّس عند العراقيين يتداعى له المجتمع بالسهر والحمى ، لأجل ماذا ؟ لأجل أن يحرم ربما ربع الطلبة من دخول الامتحان ولا أحد يسأل لماذا ؟ ولأجل أن يحرم الربع الثاني من الدخول في الكليات والمعاهد ، ويفشل الربع الآخر في الحصول على العلم الراسخ ؟ ثم يبقى الربع الخالي! الذي إما أن يجد فرصة عمل أو لا يجد ، وعندها يسافر أو يبيع كارتات موبايل أو يعمل سكرتيراً أو طابعياً في إحدى الدوائر أو يتطوع على الحرس الوطني أو الشرطة .
المثل الشعبي يقول : الصْواب حار . ويقصد به أن المصيبة إذا كانت حديثة فإن صاحبها لا يستشعر تداعياتها كاملة لأن الإصابة لا تزال ساخنة . أقول : هل يدرك المسؤولون بعد أربع سنوات أخرى ، أي بعد عشر سنوات من الاحتلال حجم مصيبتنا في تأخر الأجيال علمياً وثقافياً ؟ وإني لا أقول ذلك كي أشكو همي فحسب، بل ليتعاون الجميع من أجل استدراك ما فات .
اتصل بي قبل شهر أحد الإخوة الأطباء العراقيين من المقيمين في الخليج وسألني عن إمكانية تدريب الممرضين والممرضات في ميدان التقنيات الحديثة في العناية والإنعاش ونحو ذلك فأبديت سروري لذلك العرض ، ولكن وبعد النقاش الطويل وصلنا إلى نتيجة أن مستوى الملاك التمريضي عندنا يحتاج إلى دورات أولية قبل تلك الدورات المتقدمة لأن أغلبه بحاجة أولاً إلى ثقافة الاهتمام بالتقنيات المتطورة واحترامها والفطام من التفكير بالكسب المادي على حساب مصلحة المريض وصيانة الأجهزة من العطل وغير ذلك . لماذا ؟ لأنه لم يجد أمامه قدوات مجتمعية وافرة كي يتأسى بها بل وجد زمراً من الفاسدين تترى جيلاً بعد جيل إلا قليلاً من المخلصين . هذا هو الحال لدى موظفين موجودين في المؤسسات منذ فترة فكيف بجيل البكالوريا الحديث ؟
والأدهى مما فات أن التعليم اليوم يتعرض في بعض المناطق والمحافظات إلى المحاصصة ، ويتم الاعتناء بمنطقة دون أخرى بدعاوى شتى والكثير منها باطل . ويعيدني ذلك التفاوت إلى ذكرياتي قبل ربع قرن حين كنت أعمل طبيباً في الناصرية ، لأقارن بين شعورنا الإنساني يومئذٍ وبين ما يجري اليوم . وقتها لم يفكر أحدنا مطلقاً بأي معنى طائفي ولم يقل أحدنا إن ابن الشمال لا يمكن أن يحسن معالجة ابن الجنوب ، بل إننا ومن شدة تفانينا في العمل كنا نحصد كتب الشكر ، حتى أن أحد الاختصاصيين في ذي قار قال : إن المحافظة لم تنتعش إلا حين تم تعيين أهل بغداد فيها . فكيف يوافق المسؤولون اليوم على هذا التفاوت في التعليم على الخلفية الطائفية أو العرقية ؟ إن التمايز خسارة للكل ، والدول المتقدمة تشتري المتميزين والموهوبين من أي مشرب كانوا ، أليست السويد قبل أيام احتضنت عراقياً موهوباً حلّ أحجية عجز عنها العلماء ثلاثمائة عام ؟ فلنتق الله في شعبنا .
 ولأبنائي وبناتي الذين يعيشون أربعينية الامتحان الوزاري أقول لهم من كل قلبي : فتح الله عليكم كنوز المعرفة كرامة لصبركم وصبر ذويكم . وللآباء والأمهات أقول : اكتحلت أعينكم بتفوق أبنائكم وبناتكم.

****

هاتف نقـّال أم قتـّال؟! / أ. بهاء الدين النقشبندي

في كل التاريخ البشري كانت الاختراعات تمثل محطات فاصلة في التطور والرقي، ومنذ تحقيق اول اختراع وهو العجلة –كما يقول المؤرخون- والحياة تتقدم مع كل جديد ومستحدث من الآلات والوسائل والطرق ، وهذا قانون مضطرد يسري على الجميع وفي كل مكان وزمان إلا في العراق الذي تتحول فيه بعض منجزات الحضارة الى بلاءٍ ونقمة متواصلين يضغطان على صدر المواطن البسيط وينزعان منه ساعات السكينة والراحة القليلة في ايامه العصيبة، وليس هناك من خلاف ان اكبر هذه الابتلاءات في ايامنا هذه هي الهواتف النقالة التي صارت عبئاً قاسياً على جيب العراقي واعصابه ووقته وهدوئه وعيشه العائلي فلا يكاد العراقي المسكين يتصل بواسطة نقـّاله بقريب او بعيد ، إلا دخل في دوامة الشبكة الضعيفة وانقطاع الخط مرات عديدة وكل من الطرفين يكرر: الو .. الو، عشرات المرات.
دون نفع او فائدة ترتجى، لكأنما يصدق فينا قول من قال: ان التكنولوجيا الحديثة وجدت لمساعدة الانسان وتحسين حاله في كل ارجاء الدنيا إلا عندنا فإنها – كما يبدو- غدت اداة لنرفزته وتنغيص حياته.
المشكلة انه ليس امامنا سوى الاعتماد على هذا الداء المدعو الهاتف النقال والسبب ان معظم الهواتف الارضية معطلة الآن ولا مجير إلا هذه البلوى، فاصبح حالنا معها (كالمستجير من الرمضاء بالنار).
تدّعي شركات الهاتف النقال في العراق ان تشويش القوات الامريكية هو السبب في رداءة الخدمة الى حدود غير معقولة، وقد اجاب السيد وزير الاتصالات عبر مقابلة تلفزيونية بأن هذا التشويش كان موجوداً حتى قبل ان تبرم هذه الشركات عقودها مما يعني انها تعلم بذلك جيداً وما قولها هذا إلا للتهرب من المسؤولية.
من الطريف ان السيد وزير المالية رد على سؤال لاحدى الفضائيات عن اسباب عدم سحب التراخيص من هذه الشركات، بان ذلك يمكن ان يؤثر على سمعة العراق تجاه المستثمرين الاجانب ونحن نقول له هنا: (عمّـي رجعولنا التلفون الارضي واخذوا نقالكم القتـّال وخلصونا).

****

اشحذ سيفك أبا زياد / د. عمــــــــار وجيه

استغرب الناس عندما سمعوا بخبر تنحي الأستاذ الهاشمي عن منصب الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي، وحق لهم أن يستغربوا لأن ثقافة الشرق لا تزال تسري في عروق دول العالم الثالث، ومقتضاها أن الزعيم باق للأبد ولا يزول إلا بانقلاب أبيض كان أو أسود، ليتحول الزعيم الراحل إلى رمز يبكيه الناس ويترحمون على أيامه ويرون صورته في القمر!! .
لكن إخواننا وأخواتنا في الحزب الإسلامي الذي ولد من رحم المؤسسة الإسلامية الحضارية العريقة التي مدت أجنحتها شرقاً وغرباً، لا يؤمنون بنظرية الزعيم الأوحد لأن قائدهم جندي وجنديهم قائد. نحن أول من يدعو إلى التداول السلمي للسلطة ونطبقها على أنفسنا، ويكفينا شرفاً أنه قد تداول على رئاسة الحزب أمناء ثلاثة في غضون ست سنوات. ولعل بعض العراقيين لم يلتفتوا إلى الإشارة التي أومأ بها الهاشمي قبيل الحملة الانتخابية لمجالس المحافظات حين أبدى استعداده للتخلي عن المنصب لأجل الوطن ووحدة الوطن وازدهار الوطن. أليس هو تلميذاً للتيار الذي  لم يخلق أتباعه طلاباً للمناصب؟ فالمساجد التي ربتنا لم تعودنا إلا على خدمة الناس وخدمة الدين، ومهما بلغ العبد منا شأواً فهو أولاً وأخيراً يستشعر السعادة عندما يسمع دعاء من منكوب أغاثه أو مدين قضى عنه دينه، أو أسير فك أسره.
إن فلسفة الانتخاب عندنا فيها رسائل ليس للناخبين والمرشحين فحسب، بل للعراقيين جميعاً، أولها أن الانتخاب يبقى الوسيلة الأنجع لاختيار القيادة الجديدة، وثانيها أن تيارنا ولاد لا يفتأ ينجب القادة تلو القادة، وثالثها وهي الأهم أن القائد الذي لم يفز بجولة ثانية هو أكثر حظاً لأن يستريح جزئياً من عناء الأعباء التي ناءت بها الجبال ليشحذ سيفه ليس من أجل أن يقطع رقاب الناس كما يفعل المجرمون - والعياذ بالله - بل هو سيف الهمة والعمل من أجل العراق ونهضته وإعادة البسمة إلى شفاه أبنائه.
في زمن كان الهاشمي فيه فارسنا لم يبق مظلوم إلا ودافع عنه إخواننا وأخواتنا في الحزب، وكم من فقير أغاثوا، ومهجّر سعوا إلى تأمين عودته، ومخاصم قرّبوا بينه وبين خصمه كي تنجح المصالحة الوطنية حقاً وحقيقة وليس ترويجاً في الإعلام.
وحين جد الجدّ وقرر قائدنا أن يتنحى عن منصب الأمانة العامة فإنه استحضر أنموذج سيدنا خالد بن الوليد (رضي الله عنه) كي يفسح المجال لغيره ليكمل المسيرة الحزبية وينحاز هو إلى هموم الناس جندياً في الحزب وقائداً في الدولة.
لله درّك أبا زياد فلئن غفل بعض العراقيين عن تضحياتك وتعمد بعضهم في تشويه صورتك حسداً من عند أنفسهم لأن مسيرة الحزب الإسلامي أغاظتهم فإن الله، عز وجل، ومن بعده إخوانك وأصدقاؤك في العراق يقدّرون جهدك أيما تقدير. إن مشاريعك الوطنية التي رسمت الأحرف الأولى لها ستبقى نبراساً لنا لنكمل جملها المفيدة. أنت يا أخانا العزيز مدرسة في الهمة العالية والعاطفة الجياشة والوطنية الفذة فجزاك الله عنا كل خير.

****

سلوك حضاري / أ. بهاء الدين النقشبندي

الأمم المتحضرة تبني مؤسسات وشعوباً ومنهجاً وممارسات وسلوكاً لا تخرج عن دائرة الحضارة والرقي الانساني، والديمقراطية هي ممارسات تنبع من هذا المفهوم السامي وربما لا يخفى على أحد ان اكبر دعائم الديمقراطية هي عملية التداول الميسّر في مواقع الاحزاب والدولة، وبقدر ما كان هذا متاحاً في كل وقت ومن دون مشاكل أو صعوبات، أشر ان هذه الجهة أو تلك على درجة من الوعي والفهم المتقدم للطبيعة البشرية ولضرورة احداث التغيير لاعطاء روح جديدة في نسغ الحياة الصاعد. بسبب عدم التجديد انتهت دول كبرى وحضارات يشار اليها بالبنان فقد تلاشى الاتحاد السوفييتي الذي كان يمد نفوذه على نصف مساحة الكرة الارضية بسبب هذا الداء، فرأس الدولة عندهم لا يمكن تصور استبداله الا بموته، ولو دامت حياته الف سنة لبقي رئيساً لكل هذه المدة، فجمدت الحياة عندهم على حال واحدة أدت الى الانهيار كما ينهار البناء المقام على كثبان رمل متحركة.
ما دفعني الى الخوض في هذا الحديث هو ما حصل هذا الاسبوع من تغيير رائع داخل الحزب الاسلامي العراقي، فعندما تتطلب مصلحة الوطن والمواطن أن يتفرغ الأمين العام في الحزب للشأن الحكومي وملف الدولة لا يتردد لحظة في التخلي عن الموقع الأول في حزبه، ليأتي آخر يكمل المسيرة لأن الحياة لا تتوقف في منهج المتحضرين على شخص واحد، بل يذهب قائد ليأتي آخر، ويذهب هذا كذلك ويحل محله ثالث وهكذا هي الحياة المتجددة، حركة بلا توقف، ودماء جديدة في كل وقت، والصورة تكتمل جمالاً عندما تتم هذه العملية بطريقة مدهشة قلّ نظيرها خصوصاً في دولنا التي عانت الجمود طويلاً.
أقول لكم: دعونا نرفع التحية للحزب الذي طبّق الديمقراطية في صفوفه قولا وعملا فالديمقراطية ممارسة وسلوك وليست كلمات وشعارات.

****

حرامي البيت أرحم / د. عمار وجيه

قبل يومين أخبرني أحد أصدقائي بأن لصاً قد دخل داره ، فقلت له حمداً لله على هذا الخبر.
 فاستغرب وقال : نحمد الله على كل حال ، ولكن ما الذي تقصد بكلامك ؟
قلت : إن عودة اللصوص دليل على تحسن الوضع الأمني. فاللص أرحم بمئة مرة من المليشيات والمجرمين.
كان ينبغي أن نرفع لافتات انتخابية تقول: حرامي البيت أرحم من المليشيات والمجرمين !!
 وكان ينبغي أن ننشئ منظمات مجتمع مدني خاصة بحقوق الحرامية !!
 وكان ينبغي أن تنتج دور الأزياء بيجاما مقلمة بالأبيض والأسود ومعها قناع يرمز إلى اللصوص !! وكان ينبغي أن ننشئ جمعية لحماية اللصوص لأنهم أوشكوا على الانقراض حين ظهرت الحيتان الكبار التي سرقت ولا تزال تسرق قوت الشعب !!
 شرّ البلية ما يُضحك .. (واللي يشوف الموت يرضى بالصخونة) .
  غايتي من الحديث هو ليس الحرامية ، وإنما الحرامية الكبار الذين يحكمون الشعب الذي قدّم الغالي والنفيس لينتخبهم ، فكم من وزير أو مسؤول سرق من العراقيين عافيتهم أو حياتهم ؟ وهل تريدون من الناس أن يصدقوا بأن المليشيات لم تخرج من الوزارات ؟ وإلا فمن أين جاءوا بعجلات الدفع الرباعي ؟ وأين وضعوا أسراهم  الذين قاموا بتصفيتهم جسدياً ومنهم مئة وخمسون موظفاً في التعليم العالي ؟ وموظفو مكاتب الحاسبات واللجنة الأولمبية ؟ ومن أين جاءوا بالسلاح والهويات والكتب الرسمية ؟ وما حكاية غرف الإعدام في الوزارات الأمنية التي نجا منها ضابط عراقي مخطوف بأعجوبة ليروي قصة رعبه الكارثية ؟  وكم من حرامي كبير تفنن في العقود المزيفة أو تعاطى الرشا بلا حياء أو أطعم أولاده قوت الفقراء بغير حقّ ، وقد أشرنا إلى ذلك في الأسبوع الماضي .
 اليوم ونحن نحارب الفساد يجب على البرلمان أن يفتح ملفات الفساد الذي طال البشر قبل كل شيء ويحاكم جميع المجرمين الذين شاركوا في القتل على الهوية ، وإلا فإن دماء الشهداء ستظل تطارد قاتليها حتى ينتصر القدر والسنة الإلهية لهم ممن ظلمهم وترك عيالهم بلا معيل ، ويجب أيضاً أن نحاسب السرّاق بالقسطاس المستقيم إذا كنا نرجو من الله غفراناً ورحمة .
 وينبغي أيضاً أن تكون الحملة على المفسدين صادقة ونزيهة وليس مجرد استعراض عضلات أمام الآخر كي لا ينطبق المثل الموصلي: (عيـّبت الثومي على البصلي) أي سخر الثوم من البصل.
 وينبغي أن تصل رسالة واضحة إلى الشعب أنه: لا أمان بلا عدالة ولا عدالة بلا مجلس نواب فاعل .
 وأخيراً نقول للحرامية الذين سرقوا فرساننا في ديالى ، الدكتور حسين الزبيدي والشيخ حسن ملا علي والأخ عبد الجبار رئيس كتلة التوافق .. أطلقوا سراح هؤلاء الأولياء الوطنيين قبل أن يرفع الله تعالى عنكم بقية رحمته .. واستحيوا قليلاً من الله فإنه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، واعلموا بأن ديالى ماضية بحول الله نحو الاستقرار والازدهار فلا تتعبوا أنفسكم بما لا ينفع بل يضرّ بسمعتكم .
 وأخيراً من يرى الحرامية الكبار تهون عليه مصيبة حرامي البيت.

****

المدافعون عن الفساد / أ. بهاء الدين النقشبندي

اذا كان للباطل دعاة يزينونه للناس ويقنعونهم به، فهذا مما اعتادته البشرية منذ خلق آدم عليه الصلاة والسلام، وما زال الصراع قائما بين دعاة الحق ودعاة الباطل الى ان يرث الله الارض ومن عليها.
 ربما كان الباطل فكرة او عقيدة او نهجا او سلوكا وممارسات وليس من الغريب ان نرى من يدافع عن الباطل فالمبطلون كثر في كل زمان ولا يكاد يخلو منهم مكان، لكن العجيب ان ترى من يدافع عن الفساد والمفسدين المقتاتين على قوت الشعب وآلامه، وقد لا نجد مثل هذا الدفاع الا في بلدنا الجريح لان الناس في العالم باسره تنأى بنفسها عن الفاسدين، كما يبتعد الاصحاء عن مريض بجرب او داء معد ولو كان مرض الفساد مرضا عضويا لهان الخطب وسهل الأمر، لكنه جرثومة لا يشبهها شيء، تاتي على اساسات الدول فتنخرها نخرا وتزلزلها بزلزال تهون معه الدرجات التسع لمقياس ريختر وهي الدرجة التي يطلق عليها في علم الجيولوجيا مصطلح (catastrophic ) أي الفاجعة.
حيرني امر المدافعين عن الفساد عندما جردت آيات القرآن العظيم فصعقت لحربه على الفساد، فقد انزل الله الجبار المنتقم خمسين واذكرها كتابة لكي لا يظن بعضهم ان هناك سهوا طباعيا، نعم خمسين اية هدد بها ربنا، عز وجل، الفاسدين والمفسدين والمدافعين عنهم، واللافت للانتباه ان هناك (3) آيات منها تدعو الى النظر في عاقبتهم وهي:  (وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين) الاعراف 86.
 (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) الاعراف 103.
 (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين)النمل 14.
 أي حرب اوسع من هذه الحرب التي اعلنها القهار العظيم على حراس الفساد والافساد وهل يمكن أن ينجو أي منهم من انتقام الله اذا افلت من حساب البشر، اللهم هيهات والف هيهات.
ايها المدافعون عن الفساد: كفاكم غيا وتذكروا الغضب الالهي الماحق فان العاقبة وخيمة والجزاء خطير.

****

لا حياة مع الفساد / د. عمــــــــار وجيه

بالرغم من استياء الكثيرين من جراء الاجتثاث والتهجير والمحاربة المستمرة التي طالت مئات الالوف من الابرياء يجب ان نعترف بأن هناك فسادا في زمن النظام السابق لايمكن نكرانه.
وإذا كان المفسدون في ما مضى يعدون بالألوف فإنهم اليوم مئات الألوف.
والجامع بينهم جميعاً هو حيازة المال الحرام، فمن يسرق أو يطلب الفدية من ذوي المخطوف أو يرتشي أو يتحايل على القانون ليطعم أولاده سحتاً فالكل في ذلك سواء.
ومن فتنة أبالسة الإنس والجن تزيين جناية المال الحرام بذرائع شتى.
فمنهم من يدعي بأن حقه مسلوب وله أن يحصل عليه ولو بالقوة، ومنهم من يعد ذلك ثأراً من الماضي، وآخرون يحاكون اليهود في جواز أكل مال (أبناء العامة) وهذا ما أنكره القرآن الكريم أيما إنكار حين قال على لسان اليهود: (ليس علينا في الأميين سبيل، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون).
 إلا إن غالبية آكلي السحت هم من (بلطجية) الاحتلال. فالمقاول الأمريكي يسرق والمقاول العراقي (يخمط) والموظف يبلع وشركات التوريد ترسل بضاعة مزجاة وبأسعار خرافية.
وإذا كان مبلغ مليون دولار يكفي لصيانة مبنى حكومي وبأجود المواصفات فإن بعضهم ينفق أربعة أضعاف المبلغ ليحقق أردأ إنجاز.
كيف نريد للعراق أن يزدهر مادام يعبث في بطحائه الهمج؟ في الوقت نفسه - ومن المضحك المبكي - تزدهر دكاكين السياسة على يد أرباب الجاه أو المال، وهؤلاء لا يكلفون أنفسهم أن يسألوا من سبقهم عن عوامل النجاح والإخفاق، ولا يفكرون في إعادة الثقة إلى الشعب الذي يئس من كل شيء إلا ممن يقدم له خدمة.
وأي معنى للديمقراطية إذا لم تكن الأيادي بيضا؟ وأي قيمة للحرية من غير عدالة؟ وأي عدالة تكون إذا لم يؤخذ على يد المفسدين؟
وأي رحمة من الله نرجو من غير إصلاح؟ اسمعوني أيها القراء الكرام أقولها صادقة ولا أجامل أحداً.. إن إخوانكم في التوافق وعلى العموم كانوا من أكثر الناس نزاهة، ومع ذلك فإن ثبت تورط واحد أو أكثر فلا بد أن تطوله يد العدالة كما تطول غيره وإلا فكيف نكون قدوة للناس؟
هذه دعوة لرئيس مجلس النواب الرقيب على الأداء والمسؤول أمام الله عن الجهاز التنفيذي أن ينهض بحملة (لا حياة مع الفساد).. وأنت أهل لها يا أبا حسام والله معك ومع جميع المصلحين من أية فئة كانوا، فارفع شعار شعيب ولا تأخذك في الله لومة لائم (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) .

****

جرأة آمال اوباما / أ. بهاء الدين النقشبندي

جرأة الأمل او مايدعى بالانكليزية (The Audacity of Hope) هو الكتاب الثاني لباراك اوباما الذي نشر في عام 2006 وترجمه معين الأمام لمكتبة العبيكان في الرياض/ المملكة العربية السعودية عام 2008، كتاب اوباما الأول كان عنوانه (احلام من أبي (Dreams From my father) وفيه يرسم صورة شاب مشغول باسئلة كبرى عن الانتماء والهوية.
 في (جرأة الأمل) زحام شديد للأفكار يتسبب به الرئيس الامريكي الرابع والأربعون من خلال طرح رؤى متعددة لجوانب الحياة الامريكية وعلاقة الولايات المتحدة بالعالم الخارجي ودورها الذي يجب ان تنوء به لتحظى بالاحترام الذي حققته في الايام السالفة عندما كان يرأسها رؤساء حكماء صعدوا بسمعتها نحو القمة على العكس مما تسبب به اخرون كـ(بوش) في اهدار مصداقيتها ومقبوليتها لدى دول العالم.
 خلال فترة عضويته في مجلس الشيوخ الامريكي عن ولاية الينوي منذ عام 1996، عانى اوباما ضعف الحزب الديمقراطي انذاك حيث كان يمثل اقلية في هذا المجلس، فالمساومات والتسويات تكون محدودة عندما يكون تمثيلك ضعيفا، وينقل هنا مقالة لجون ف. كندي الرئيس الامريكي الاسبق : (انك لابد ان تغضب بعض الناس مهما فعلت وان الهجمات السياسية ستشن عليك مهما كنت حذرا في التصويت).
 وربما كانت هذه المقولة منطبقة بشكل كبير على معاناة الحزب الأسلامي العراقي خلال السنوات القليلة الماضية. في الكتاب تلخيص لتاريخ السياسة الخارجية الامريكية التي ابتدأت بالعزلة ثم جاء عصر التوسع نحو الغرب والجنوب الغربي والتدخل السافر في العالم الجديد ثم في المحيط الهادئ والكاريبي وتبعه دخول الحرب العالمية الاولى والثانية. يصف اوباما السياسة الخارجية لنكسون وكيسنجر بالبراعة، بينما يقول: ان سياسة كارتر ركزت على حقوق الانسان ولا يتعاطف مع سياسة ريغان في حرب النجوم برغم دفاعه عن بعض جوانب نظرة ريغان للعالم، كما يصف سياسة بوش الاب بالواقعية والتقليدية في حين ركز كلنتون على التجارة اكثر من الدبابة. ما يهمنا - كعراقيين- من هذا الكلام هو لفظة الامل والعبارة الشاعرية الساحرة، فنحن في ايامنا هذه أحوج ما نكون الى امل طويل وعريض وكبير، وحاجتنا اكبر الى جرأة آمال اوباما لتغيير واقعنا، ولا ننسى ان شعاره للفوز في الانتخابات كان (change we can believe in.) أي يمكننا ان نؤمن بالتغيير.

****

رسالة من تلميذ إلى شيخ / د. عمار وجيـــــــــه

لأني تلميذهم منذ أكثر من أربعين عاماً وأعرفهم جيداً، فليس كل عالم خطيباً، ولا كلّ خطيب عالماً، لكن رسالتي اليوم إلى الجميع.
 العلماء والخطباء متباينون في العلم والورع وحمل همّ الدعوة والتضحية في سبيلها، ومتباينون في الثبات أمام السلطان أو الإغراء، وفي معظمهم الخير الكثير .
ومشكلة العراق والأمة العربية والإسلامية هي الفصل الجزئي بين العالم والدعوة منذ قرون . فليس كل عالم داعية ولا كل داعية فقيهاً . الدعوة جذرها الإيمان والقناعة وحبّ نشر الخير وتبليغ العلم، وبعض طلبة العلم قد التحقوا إلى معاهد العلم وكلياته رغبة في العلم الشرعي أكثر من الرغبة في الدعوة، أو كانوا أبناء للعلماء ولم يأتوا عن قناعة، أو تربوا في مدينة ذات طابع ديني، وما وجود الكثرة من العلماء في الفلوجة وسامراء والنجف وكربلاء ونينوى إلا دليل على ما نقول . ومع ذلك فالكثير الكثير من العلماء والخطبــاء دعاة حقيقيــون .
 وفي العقود الخمسة الأخيرة وبسبب التحديات الوجودية واللادينية ارتفع رصيد الدعوة والدعاة وأنجبت الكليات العلمية والأدبية وغيرها اعدادا مباركة من الدعاة، مع مرور الأيام نافسوا العلماء في بضاعة الدعوة والتبليغ، وارتقى بعضهم المنابر، وأكمل الآخرون دراسة علوم الشرع بمراحلها سواء على الحصير كما يقال، أو داخل الحرم الجامعي .
 وقد شهدت ساحة الدعوة العراقية رموزاً لطالما أشرنا إليها في مقالات سابقة، لكن هذه الرموز كانت قليلة نسبة إلى الاعداد المباركة من العلماء والخطباء، فمن ذا الذي يضاهي في العلم فضيلة الدكتور عبد الكريم زيدان وهاشم جميل ومحمد رمضان وعبد الملك السعدي والباليساني والمدرس وأمثالهم؟ ومن ذا الذي يضاهي في الوعظ الشيخ بشير الصقال وإبراهيم النعمة ومحمود غريب وسامي الجنابي ويوسف الحسان وإياد العزي ومن على شاكلتهم؟ وعذراً لمن لم أذكر أسماءهم .
 ومع كل ذلك وكما يقال: المشكلة بعد (لكن). إذ ما كنا نتمنى أن يجيّر عالم منبره لمدح الأنظمة الحاكمة التي اشتهرت بالظلم، ولا بتسويق الاحتلال، ولا بالدفاع عن أي عمل محظور بمبررات لا تصلح أن تكون حجة . وهؤلاء وإن قلّ عددهم إلا إنهم يؤثرون سلباً في سمعة المسلمين . واليوم نسمع بين حين وآخر أن بعض المنتسبين إلى العلم والعلماء يبرر لنفسه الإسراف على حساب غيره وبشتى الذرائع، منها ضرورة تحسين الحال إكراماً للضيوف، ومنها الاهتمام بالمناوئين بغية كسبهم أو تحييد شرهم، ومنها ذرائع أخرى بعضها صواب وبعضها خطأ .
 ونحن لسنا ضد التوسعة في الرزق أو الزيادة في المكنة فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، لكن من المهم أن نذكـّر بضوابط تعلمناها أصلاً من شيوخنا . فالتورع عن الشبهات أصل، وتجنب الإسراف مبدأ، وإطعام الفقير وإشباع الجائع أولوية، والتوسعة في الرزق أو البناء لها حدود، وهل نسي بعضنا حديث النبي عليه الصلاة والسلام ( ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع )؟
 وهل نسيتم قصور الشعب التي بناها النظام السابق في وقت كان الشعب يأكل القمح الذي هو أشبه بالعلف؟ وهل نريد أن نكرر ما يشبه ذلك والعياذ بالله؟ أم نسينا ديناصورات الثورة الإيرانية الذين أصبحوا حيتاناً كبيرة من تجارة المخدرات ونحوها وصنعوا لأنفسهم ضيعات ومنتجعات، والله أعلم بما فيها من منكر؟ أم نسينا ما يفعله بعض السياسيين من نهب للثروات وتوسعة على العيال من دون معالج للفقر والجوع؟ أم نسينا البطاقة التموينية التي تسرق ومقاعد الحجاج التي تباع بألوف الدولارات للموسرين؟ أم تناسينا بؤس قومنا الذين لا يجدون ماء صالحاً يشربونه وتقضي نساؤهم الوقت لتملأ أوعيتها من صنبور مكسور على قارعة الطريق؟ أم نسينا المتعففين الذين ينامون تحت الجسور؟ أم الأرامل والثكالى واليتامى؟  أيها البعض القليل من العلماء والخطباء .. أرجو أن تتوبوا إلى الله من هذه المغامرات، وألاّ تسيئوا إلى سمعة إخوانكم المجاهدين والشهداء والدعاة، وأتوا البيوت من أبوابها، والباب باب الجماعة وفريق العمل وليس الاجتهاد الشخصي غير المسؤول . طريق الإسراف والتبذير والتوسع في الجاه من دون سبب مشروع أو معقول هو طريق مغلق وزائدة دودية فاحـذروا يــا أصحاب الرمزية من الاستئصال الإلهي واطلبوا رحمته .
 وأرجو ألاّ يفهم مشايخي الفضلاء أنهم مقصودون بالخطاب . فخطابي هذا موجه فقط لمن أصابه شيء من هذه الشبهات.

****

بعد خراب البصرة !! / أ. بهاء الدين النقشبندي

منذ نهاية عام 2006 وبداية عام 2007 عرضت المسودات الاولى لقانون النفط والغاز، وعندها ارتفع كثير من الاصوات المتوهمة دوما بنظرية المؤامرة والتي لا تبرح خيالها صورة العالم بأكمله الذي يريد سرقة ثروة العراق، والحقيقة ان من سرق هم من بني جلدتنا ويعيشون بين ظهرانينا والدليل ملفات الفساد المالي والاداري التي تخص اكثر من 99% منها أناسا يدعون بالعراقيين (مع الاسف).
عيبك منك ولا تبصر     وداؤك فيك ولا تشعر
لذلك كانت اول خطوة يجب ان نخطوها هي تطهير انفسنا وذواتنا والأخذ على ايدي المسلمين من المحسوبين علينا كابناء لهذا البلد العزيز الذي كان لا يعرف طريقا لرشا او فساد حتى كانت هناك اوقات يشار فيها الى المرتشين بالبنان لندرتهم ونبذهم في مجتمعنا آنذاك.
بسبب ما ذكرنا من اوهام اليقظة والمنام تعطل قانون النفط والغاز والذي كان من المفروض ان يتعجل مجلس النواب في اصداره بعد تنقيحه بما يخدم مصلحة العراق ، وكان هذا هو الحل وليس في وضعه على الرف ونسيانه بسبب مخاوف بعضهم وتشكيكاتهم ، فحل المشاكل لا يكون باغفالها كالنعامة التي تدس رأسها في التراب كي لا تراها الحيوانات المفترسة.
لقد كانت سنوات 2006، 2007 ، حتى منتصف 2008 فرصا ذهبية لجلب الاستثمارات للعراق خصوصا في القطاع النفطي الذي لا يستطيع ان ينهض من دونها ، علما بأن دولا غنية جدا كالسعودية والكويت تبحث عن مثل هذه الاستثمارات لصناعاتها النفطية، والآن بعد ان نـُـكبَ العالم بأسره بالازمة المالية الكبيرة نقيم مؤتمرا للاستثمار في العاصمة البريطانية لندن، واقول هنا : لماذا انتم متسرعون هكذا - ايها القوم - (بعد وكت) كما يقال في اللهجة الشعبية الدارجة، واين الاستثمارات التي يمكن ان تأتيكم عقب هذه الازمة الخانقة وبعد ان اصبحت السيولة النقدية اندر من الكبريت الأحمر.
ما يحزن ان حجم انتاجنا النفطي في انحدار يمكن ان يؤثر في مجمل اقتصادنا وقوت شعبنا لكننا لا نتحرك إلا بعد خراب البصرة (عافاها الله ونجّاها من كل خراب ومحنة).

****

فهل من مدّكر ؟ / د. عمار وجيه

لم اكن اتوقع بعد ان قضيت سنين عجافا في الخدمة العسكرية ان ينشا جيل من الشباب يتسابقون في خدمة الزعيم ويسارعون في الالتحاق بالحرس الخاص.
كنت اتوقع ان يصغوا الى القصص الأليمة التي يرويها آباؤهم الذين خاضوا الحرب الخاسرة بين الجارتين، ولكن يبدو ان الآباء لا يقصون والأبناء لايصغون.
وفي كل مرة تتكرر المشاهد، فالذين ولغوا باموال المسلمين في الكويت لم يأخذوا درسا من اسلافهم الذين طاشت ايديهم في المحمرة ثم طالتهم يد العدالة، والذين اشعلوا فتنة سامراء لم يتعظوا من فتنة الشوّاف ، والذين استغاثوا بالاحتلال لم يأخذوا درسا من مأساة فلسطين.. ولا ندري كم مرة ومرة تتكرر العبر والدورس؟.
اليوم تحتقن الاوداج في شمالي العراق ويشتد الخطب في نينوى وكركوك، اعتقالات في الحويجة واغتيالات في كركوك.. واعتقالات في سنجار واغتيالات في الموصل، وكما يقال :شنو منو؟ ما احد يدري!!.
وقد راج مصطلح المناطق المتنازع عليها وسطّره القوم في الدستور، والدستور لا يزال قيد التعديل.. فهل من أمل لتغيير ذلك المصطلح؟.
دعونا، اولا، نسأل : لماذا تنازع القوم على المناطق؟، اليست البداية من الاحتلال البريطاني البغيض ومن بعدها القومية النتنة بمعناها الضيّق؟.
أليس بالامكان ان نحلل الخلاف الى عوامله؟ ، وهل من الصواب ان يقال دائما: ان الزعماء العراقيين عندما يتمكنون من الكراسي يكوّنون جيشا قويا ثم يضربون كردستان ومن بعدها ايران؟ وهل هذا المنطق سائد على مدى القرون، أم هو موقف استثنائي محدد بالزمان والاشخاص؟.
بامكاننا ان نمضي على وفق التسلسل الآتي:- دعونا اولا نعزر مفهوم الشراكة في السلطة بعمل جماعي رصين، ثم نعدل الدستور تعديلا يضمن الحق لكل المكونات، بل لكل الناس، ثم نتحاور بشأن الحدود الادارية للمحافظات، ونعلل التطبيع والاستفتاء تفعيلا سلميا بدلا من المضي في سياسة التهجير القسري من هذا الطرف او ذاك.
أليس ذلك خيرا من جنون السلاح الذي ابتلى به العراقيون حتى غدا اصلا بعد ان كان استثناء؟ ولربما يصنف الاطباء النفسانيون مرضا جديدا برع به العراقيون والافغان ومن على شاكلتهم.
ثم ان استحقاقات السلاح كبيرة وفيها حساب في الدنيا وعقاب في الآخرة، ولئن كان بعضهم لا يعبأ بآخرته ، فلا بد ان يعتبر بمن سبق.
أيها الناس.. اليوم تحاك مؤامرة غريبة لذبح نينوى وكركوك كما ذبحت بغداد والانبار وديالى، فتحوطوا لها بمزيد من الاخوة والحوار ودعوا فتنة الفتانين .. وضلالات المضلين.

****

الرئيس وسائقه / أ. بهاء الدين النقشبندي

تروي كتب السيرة النبوية العطرة ان من كان يقدم الى مجلس الرسول العظيم محمد صلى الله عليه وسلم يحتار في تحديد شخصيته الشريفة لأنه - بأبي هو وأمي - كان لا يميز نفسه عن صحابته بملبس أو مظهر او هيئة أو موقع او وضع خاص كما كان يفعل ملوك الاعاجم.
في لقاء مع سفير مصري سابق لدى النمسا في احدى القنوات الفضائية تحدث عن تواضع المسؤولين في البلدان المتحضرة فقال: في احد الايام ذهبت للعلاج عند طبيب للاسنان في عيادته في العاصمة فيينا وفي مصعد العمارة رأيت رئيس الجمهورية في ذلك الوقت كان كورت فالدهايم الذي اصبح امينا عاما للأمم المتحدة بعد ذلك، فسلمت عليه وتبادلنا عبارات التحية والترحاب واللافت للانتباه انه كان وحده في المصعد ثم غادرت المصعد وذهبت الى الطبيب وذهب هو الى جهة اخرى كان على موعد معها في العمارة نفسها، وعندما انتهيت ونزلت الى الطابق الارضي رأيته واقفا وحده كذلك كأنه ينتظر احدا فسألته: هل من مساعدة استطيع تقديمها ؟ فأجاب شكرا، فانا انتظر سائقي الذي ذهب ليشرب الشاي في مقهى قريب، إلا انه تأخر بعض الشيء، وسيأتي بعد دقائق.
يقول السفير :فتعجبت لرئيس الجمهورية هذا الذي يقف وحيدا في مدخل العمارة بانتظار سائقه الذي ذهب ليشرب الشاي، ترى لو حدث هذا في بلدان العالم المتخلف ، ربما كان هذا السائق سيعدم نتيجة هذه الفعلة ولكنه الفرق بين الحضارة والتخلف، وهو جزء من الجواب على سؤال: لماذا تقدموا وكيف تراجعنا؟!.
منذ وقت طويل والعالم يتقدم في مجال العلاقات الانسانية والمساواة بين البشر حتى الغي الكثير من الالقاب التي تميز بين الناس ، ففي العراق ومصر وغيرها شطبت القاب الباشا والبيك قبل نصف قرن تقريبا، أما الدول المتقدمة فمنذ زمن بعيد اكتفت بعبارة (mr.president) اي السيد الرئيس فقط من دون أية القاب ، أما نحن فقد عدنا القهقرى وكأننا في القرون الوسطى فقد عادت الينا القاب السيادة والفخامة والمعالي والسعادة و..و.. الخ.
في الاربعينات من القرن الماضي سافر غاندي الى عاصمة الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس بملابسه التي خاطها بنفسه، ولكنه فاوض الانكليز وحقق الاستقلال لبلاده بفكره واخلاصه وتواضعه ، لا بملبسه او مظهره ، وسيظل التاريخ يذكر اسمه وربما نسي الكثيرون اسم ملك بريطانيا في ذلك الوقت.
في احدى كتب فنون القيادة للدكتور طارق سويدان، يقول : ان القائد يهتم بالعلاقات الانسانية بين الافراد ويلهم الثقة للآخرين ويركز على الرقابة الذاتية ، بينما يهتم المدير بالجهد والانتاجية، ويركز على الرقابة والسيطرة، وشتان ما بين الاثنين.

****

معنا .. حياتك لها قيمة / د. عمــــــــار وجيه

قبل أيام كنت في زيارة لبعض أخوالي ودار بيننا حديث طويل، وكانوا يعاتبوننا ويستفسرون عن مغزى الشعار. ومهما كانت إجابتي لهم .. مقنعة أم غير مقنعة، إلا إنني وأنا أنظر إلى وجه أحدهم وقد لاحت على قسماته ملامح الشيخوخة جالت في خاطري أياماً خلت قبل أربعين عاما عندما كنا أطفالا ننظر إلى عجائزنا وهن يتحدثن بعفوية وبراءة، ونور الإيمان يشع من وجوههن والهمة العالية لا تنفك تلازمهن حتى يلقين الله (عز وجل) وهو عنهن راض إن شاء الله.
 كان لي خالة لأم، نحيلة الجسد، كريمة العين، قد أكلت حبة بغداد من وجهها، لكننا كنا نراها أحلى بألف مرة من هؤلاء الممثلات والمطربات اللائي ملأن وجوههن بالمساحيق وشفاههن بالسليكون . السبب واضح لأن خالتي خيرية (رحمها الله) كانت كلما دخلت بيتا من بيوت أقاربها قلبته رأسا على عقب من شدة النشاط، مرة تخيط الثياب للأطفال حتى أني ما أزال أذكر البيجامات والدشاديش التي كانت تخيطها لنا في طفولتنا، وتارة أخرى تتفنن في صناعة الأطعمة اللذيذة بتدبير منزلي ينسجم مع الرضا والكفاف الذي عاشه سلفنا الأول.
 معنا حياتك لها قيمة .. هكذا بسهولة لأنها كان لها قيمة أيام الشيخ أمجد الزهاوي وكمال الدين الطائي ومحمد محمود الصواف، وقيمتها يومئذ تعليم القرآن وبسط اليد للفقراء وتوحيد الصفوف والوقوف في وجه الإنكليز والصهاينة.
معنا حياتك لها قيمة .. بسهولة أيضا لأنها حياة الأستاذ عبد الوهاب السامرائي الذي عكف على مدارس التربية الإسلامية ومجلتها حتى مات شامخا، وهي أيضا حياة الشيخ أيوب السامرائي عملاق سامراء والشيخ عبد العزيز السالم السامرائي عملاق الفلوجة والأستاذ غانم حمودات، أطال الله في عمره، ذلك الصرح الذي ما بنيت لبنة على أرض نينوى إلا وكان لحمودات فضل على من بناها بكلمة طيبة أو علم نافع.
 معنا حياتك لها قيمة .. لأنها حياة آل الجوادي الذين أبوا إلا أن يحملوا القرآن تحفيظا وتعليماً بجميع المسلمين في العراق من غير تفريق . ولأنها حياة الشيخ محمود غريب الصرح الذي غرّد على منبر آل بنية على مدى ستة أعوام أو سبعة حتى أغاظَ حساده ليخرجوه من العراق.
وماذا عساي أن أذكر من فضل من سبق  .. العلم ؟ الحلم ؟ الجود ؟ الحكمة ؟ الولاء لله ولرسوله ؟ نكران الذات ؟ فبحور الجود ليس لها انتهاء .
 العجيب أن بعض الشباب اليوم يختزلون كل ذلك الرصيد ويتغافلون عنه إن لم يكونوا أصلا قد نسوه، ولا ينظر أحدهم إلى أبعد من أنفه، حتى أن الكثير منهم يردد ماذا قدمتم لنا وقد نسي أيام الجمعيات الخيرية ومنابر الهدى وحلقات التعليم، ولعل الكثير من العراقيين لا يعرف كيف يربط بين أغصان الدوحة، فما الفرق بين نائب برلماني ينشط لنصرة مظلوم، وخطيب باع نفسه لله، ومعلم اتسخت سترته بالطباشير الأبيض، ومهندس نالت شمس العراق المحرقة من فروة رأسه، وطبيب يعالج طابورا من المرضى في العيادة الخارجية لأن الحكومة لا تهتم بالمواطن العراقي ولا توفر له عددا كافيا من المستشفيات، ومدرسة أطعمت أولادها طعاما بائتاً لأنها تقضي نهارها في التدريس، وممرضة تسهر في صالة الولادة لتسمع في كل خفارة صيحات الإستغاثة وتهرع الى مساعدة الطبيبة في ذلك العمل الشاق ؟ ما الفرق بين هؤلاء جميعا إذا كانوا يفهمون القيمة الحقيقية للحياة ؟ وهي العطاء قبل الأخذ.
ونحن لا ننكر أن من أول واجباتنا أن نسعى لتوفير الأمن والخدمات والتنمية لشعبنا الكريم، لكننا أولا وأخيرا نريد من شعبنا أن يفهم القيمة العليا للحياة (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ليأتي اليوم الذي ينعم فيه الناس كل الناس بالأمن والإيمان.
وأخيرا .. أعجبني خبر شاهدته أول أمس في نشرة الأخبار عندما خرج المتحدث باسم الطائفة الصابئية في العراق وهو ينعى إخوانه الذين فجعوا في الحادث الغادر الذي اغتال الصاغة. قال ذلك المتحدث : خرجنا نشيع أهلنا وكان معنا ممثل الحزب الإسلامي في الطوبجي . حمدت الله على هذه الشهادة وتذكرت إنسانية النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يسير في جنازة اليهود، وعلمت أنها قيمة.

****

البرلمانات برؤسائها / أ. بهاء الدين النقشبندي

كماهو المثل في العلم العسكري: (ان الوحدة بآمرها).. وفي علم الادارة : (أن المؤسسة برئيسها)، فكذلك في العمل السياسي تنبع انجازات البرلمانات من قوة رؤسائها وكفاءتهم ونزاهتهم، فلا برلمان فعالا من دون رئيس فعّال.
 في فن القيادة يقولون عن القائد انه:
- يختار العمل الصحيح.
- يحدد الرؤية ويبلور الرسالة.
- يهتم بتحقيق النتائج.
- يستمد سلطته من القيم والمبادئ الصحيحة.
- يكرس الاهتمام على العلاقات بين الاعضاء.
- ينشغل بالكليات والعلاقة بين الجزئيات.
- يركـّز على التجميع بين الاشياء .
- ذو طبيعة تفكير شمولية/ كلية غير مقيدة بالوقت.
- ينظر الى ما بعد انجاز العمل.
- يحب التطوير والتجديد والابداع.
- يلهم الثقة للآخرين ويركز على الرقابة الذاتية.
- ذو نظرة طويلة الأجل.
- يقبل التحدي ويحاول تغيير الواقع .
ولو سألت اياً من نوابنا الأفاضل عن أي الصفات التي ذكرناها لاتنطبق على الاستاذ اياد السامرائي رئيس المجلس الجديد لأجابك معظمهم باللهجة الشعبية الدارجة: (ماكو) اي ان كل صفات القيادة تنطبق عليه ولا تخطئه أي منها قطعاً ، لذلك عوّل الكثير من النواب عليه ومنحوه هذه الثقة، العالية المبنية على الكفاءة ، والدليل ان كل من دخل المنافسة معه تخلف عنه بالاصوات بدرجة كبيرة، ولقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الأمة لا تجتمع إلا على الصواب والاستقامة : (ما اجتمعت أمتي على ضلالة)، اضافة الى كل ما ذكرناه من صفات القيادة للاستاذ السامرائي، نزيد هنا في المجال السياسي ما يأتي :
1-فهمه الكبير للدور الحقيقي لمجلس النواب ومهماته ومسؤولياته امام الله ،عز وجل، ثم امام شعب العراق.
2-نظرته الشاملة المتوازنة للمشهد السياسي العراقي وعدم اجتزائه للامور.
3-احترامه العالي لنواب الشعب، لأن من يحترم الشعب يحترم نوابه ، وايمانه العميق بأن رئيس المجلس لا يستطيع فعل شيء، دون مساعدة اخوانه النواب.
4-ادراكه للتكامل  في الادوار بين المجلس والحكومة وتعاونهما لتحقيق المنجزات للشعب.
وفق الله الرئيس الجديد واعانه على أعباء مهمته الثقيلة، والله ولي المخلصين.

****

رسالة إلى زعيم كردي / د. عمار وجيه

 

إلى الزعيم الـ.. آني.. الكردستاني.. بعد التحية والاحترام.. هذه رسالة عراقية من محب للسلام.
ليس حصيفاً ولا حكيماً أن يتغافلوا عن تعقيدات الملف الكردي وخصوصياته. أو يتجاهلوا المكر البريطاني والإرادة الإسرائيلية الخبيثة، أو يغضوا الطرف عن أجندات الجوار أو ينسى استبداد الحكومات العراقية المركزية البعيدة كل البعد عن جوهر الإسلام وسماحته.
وليس حكيماً أيضا من لا يفهم بأن الحل أسهل من تلك التعقيدات. فأحلام الانفصال أو الاستقلال تحتاج إلى ميناء. والوصول إلى البحر الأسود أو الأبيض أو الخليج العربي دونه خرط القتاد. وهيمنة حكومة بغداد بالسلاح على إقليم كردستان ضرب من الخيال، عجز عنه أبناء الملوك وعبد السلام والبكر وصدام. وآلهة البراغماتية والمصلحية وحق الشعوب في تقرير المصير على وفق السيمفونية الغريبة لا تعمل جيداً في العراق المسلم ذي العمائم البيض والخضر والسود.
فأرومة العراقيين جميعاً هي الإسلام، ولئن تناحروا أو سالت منهم الدماء في أوقات الجهل والجهالة، أو توجهوا إلى لينين وستالين وماوتسي تونغ فإن جذور الإسلام العريقة تبعث بالحياة في أبنائهم الذين عادوا مرة أخرى إلى الدراسة في المدارس التركية الإسلامية في محافظة السليمانية.
في هذا المقام، ونحن نتجرع الآلام أقول: لماذا تدفع الشعوب فواتير غيرها؟ وهل يعقل ألا يعود الأمن إلى نينوى وتتردى الخدمات ويغلق المطار أو يعوّق ويتدهور الاقتصاد وترتهن الأقضية الشمالية ليفرض الأمر الواقع على الحكومة المركزية؟ والحكومة المركزية تركب رأسها أيضاً ولا تشارك أهل نينوى في حل مشكلتهم العويصة لأنها تريد ليَّ ذراع الأكراد فحسب. وهل يعقل أن تبقى كركوك في أنينها وتشكو بثها وحزنها إلى الله بهوية ضائعة وماء شحيح ووباء منتشر ونفط غير مستخرج وتأخر عن باقي المحافظات المجاورة؟
أيها الزعماء العراقيون الكرد.. ليس عدلاً أن تظلم الشعوب من أجل أحلام لا رصيد لها في أرض الواقع، ولا أحسبكم ترضون بهذا الثمن الباهظ من أجل مغامرة أو مقامرة.
أنتم أحرار في معتقداتكم اليسارية والقومية، ولا إكراه في الدين. لكنكم في الوقت نفسه تعلمون جيداً أن شعبكم الكردي يفخر بدينه وبفقهه الذي جاد به حتى على العرب. وإلا فمن الذي حفظ لنا فقه الإمام الشافعي ومصطلح الحديث وأصول التصوف الصافي؟
ومع ذلك فنحن معكم في الدفاع عن حق كل كردي مظلوم ونؤكد أنه يجب أن يبقى مرفوع الهامة شأنه شأن كل عراقي عربياً كان أم تركمانياً أم غير ذلك. ولا غضاضة أن يرقى الكردي إلى أعلى الهرم مادام قد وصل إليه في انتخاب حر نزيه ولا ضير أن يحظى بأعلى الامتيازات ولا اعتراض أن يمثل العراق في جميع المحافل الدولية والعربية والإسلامية سواء بسواء.
لكن العراق يجب أن يبقى واحداً موحداً.. ولا مجال للتعسف في استعمال الحق... لا منّا... ولا منكم... ولا من حكومة بغداد.
وما يدرك بالتفاهم لا يدرك بليِّ الذراع .

****

مورالس / أ. بهاء الدين النقشبندي

أول مرة أسمع ان رئيس دولة  يقوم بالاضراب عن الطعام لتحقيق مطالبه، فقد اعتدنا ان نرى رؤساء الدول والملوك يأمرون فيطاعون ، بل حتى يتألهون فتذعن لهم الناس (كبرت كلمة تخرج من افواههم)، وعادة ما يلجأ المعارضون الى هذا النوع من الاحتجاج لعلهم يحققون مطلباً او ينالون ولو جزءاً صغيراً مما يحلمون به، وغالباً ما تنتهي هذه الاضرابات بالفشل وكأن شيئاً لم يكن ولا يحصد المضربون سوى الجوع والألم، مورالس هذا الذي نتحدث عنه اليوم هو رئيس بوليفيا الحالي الذي استمر ما يقرب من الاسبوع بسبب معارضة برلمان بلاده لقانون قدّمه اليه لتشريعه ، مع ان هذا القانون كان لصالح الشعب، وهذه هي الديمقراطية الحقيقية لأن مورالس لم يفكر أصلاً بأن يرغم البرلمان على تحقيق رغباته من خلال تعطيل عمله او الغاء دوره، لأن ذلك كان سيقضي على أي أثر للديمقراطة في بلاده، وهذا ما لايريده الوطنيون المحبون لأوطانهم، المغلّبون لمصالحها على مصالهم الشخصية، وبدون ذلك لن تكون هناك ديمقراطية ولا ديمقراطيون ولا هم يحزنون، واقرأ على الأمة السلام وأقم على (الدولة الديمقراطية) مأتماً وعويلاً.
هذا هو سلوك المتحضرين والأحرار، احترام للقوانين والتزام بالصلاحيات وتجنب تجاوزها واعطاء كل ذي حق حقه، وبمثل هذا السلوك ترقى الأمم وتتقدم الشعوب.
لم يفكر مورالس ان يتجاوز صلاحياته، بالرغم من انه رأس الدولة، وعلى الرغم من ان النظام في بلده نظام رئاسي أي ان اغلب السلطات التنفيذية بيد رئيس الدولة، إلا ان هناك مفصلاً حقيقياً لا شكلياً بين السلطات الثلاث، السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية وكل يعرف حدوده وصلاحياته ومسؤولياته لأن اكبر ركن في الديمقراطية هو: (الفصل بين السلطات) تجارب الشعوب دروس للحياة، من استفاد منها نجح وتقدم ، ومن صم آذانه عنها فشل وتأخر فأي الطريقين نختار ؟؟! .

 

 

 

****

حللت غريباً .. ونزلت كئيباً / د. عمـــار وجيـــه

أوباما ، فاجأ العراقيين بزيارة .. والعراقيون لم يعدّوا رسائلهم لذلك الرئيس الذي تحمّل أوزار الذي قبله ومؤسسته الجمهورية.
 وأخوكم الكاتب وكواحد من العراقيين سيقدّم إلى أوباما رسالة لعلّها تلبّي بعض حاجاتكم وتعذرونني عمّا نسيت . إعلم يا أوباما أنه سيأتيك ضميران أحدهما لرجلٍ شابَ قرناه من الحزن ، وثانيهما لامرأة جفَّ ماءُ عينيها من البكاء ، يسألانك : أين أولادنا الذين ضاعوا يوم أضعتم العراق بين مطرقتكم وسندان دول الجوار ؟.
إعلم يا أوباما أن أولئك الذين يزعمون أن العراق اليوم بخير واهمون كلّ الوهم وأن الكراهية بين الناس على الخلفية الطائفية والعرقية التي زرعتها الأنظمة السابقة وسقيتموها برشقات رصاصكم قد عششت في العقول والقلوب ، ولا دواء لها سوى المصالحة والثقة وإشاعة روح المواطنة .
إعلم يا أوباما أنك إذا جئت تقبض الثمن فلن تجني من العراقيين إلا علقماً ، وأنه مهما نام العراقيون فإنهم يستيقظون وأن يقظتهم غضبة وزئير . أما إذا جئت لتصلح ما أفسده الجمهوريون فبالرغم من أنها مسؤوليتك لكن العراقيين لن يبخلوا عليك بنصيحة فاستمع إليهم جيّداً .
إعلم يا أوباما أنه إذا كان صدّام قاسياً على بعض السنة والشيعة والكرد فإنكم أيها الأمريكان قد قسوتم على العراقيين جميعاً .
إعلم يا أوباما ، أيها الرجل المسيحيّ أن المسيحيين لم يذبحوا في العراق ويهجّروا منه إلا بعد قدومكم ، وأن حكومة بلادك لم تراعِ ديناً ولا خلقاً.  وإذا كان أجدادك يناضلون من أجل الأقليّات السوداء في أمريكا فإن جميع الأقليّات اليوم مظلومة في العراق ، بل الأغلبيات أيضاً وعلى حدّ سواء
 واعلم أن الولايات المتحدة لم تصدّر إلى العراق مشروعاً حضارياً يذكر ، وأن صناديق الاقتراع وعنوان الديمقراطية المفرّغ من محتواه بسبب الثقافة الاستبدادية العالقة في أذهان السياسيين قد سوّقت إلى العراق بالدماء والأشلاء ، وأن العراقيين اليوم لم يقطفوا ثمراتها بعد ، بل لا يزالون يتجرّعون مراراتها لأنها تركت في كل بيتٍ مأتماً وعويلاً . وإعلم أيضاً أن عودة بضعة آلافٍ من العراقيين إلى بيوتهم لا يعدُّ مصالحة لأن أربعة ملايين منّا لا يزالون في المهجر ، وإن مدينة الحريّة في بغداد وحدها فقدت خمسة وعشرين ألفاً من عوائلها التي هجّرت على أيدي المليشيات . وإذا كان في ساعدك الأسمر ودمك الأفريقي وجيناتك المسلمة ما يذكّرك بالفتوّة والسهولة والعدل ، فاستثمرها حتى لو كنت موظفاً في مؤسسةٍ كبيرةٍ تصنع القرار . لا بدّ أخيراً أن تفهم الولايات المتحدة التي جاوزت مركباتها الفضائية كوكب المرّيخ وربّما أبعد منه ، أنها ما زالت بعيدة كل البعد عن قناعة العراقيين بها ، لأنها قدمت إلى العراق بالتفاهم مع أقل من واحد بالألف منهم وممن كانوا في الخارج ، وأنها ما زالت بعيدة عن رضا الأغلبية ، ولن يكون ذلك الرضا إلا بعد الأمن والمصالحة والاستقلال وتعويض المتضررين وإطلاق سراح المعتقلين . يا أوباما ، إن العرب إذا حلّ في ديارهم ضيف بادروه بالقول : حللت أهلاً .. ونزلت سهلاً . ولو قدم الأمريكان ضيوفاً مسالمين لاستمعوا منّا هذا الكلام مع أطايب الطعام . أما وقد جاءوا بدبابات الأبرام فما لنا إلا أن نقول لمن سفك دمنا المعصوم وهدم بيتنا المعمور وفجعنا بولدنا المحروس ورمّل ابنتنا المصون .. حللت غريباً .. ونزلت كئيباً . فأصلح يا أوباما .. أو عد إلى بلادك واسحب جيشك ...

****

طاهر يحيى أم طارق الهاشمي / د. عمـــــــــار وجيه

لم أعوّد القرّاء الكرام أن أطري أحداً من الأحياء ، لأن من سمت المسلم ألا يكون مداحاً ، لكن شهادة الحق في موضعها حسنة .
 أرسل إليّ أحد الإخوة رسالة الكترونية يتحدث فيها عن مآثر طاهر يحيى، رحمه الله تعالى، عندما كان رئيساً للوزراء في زمن عبد الرحمن عارف، رحمه الله تعالى، وكيف أنه زجر جابياً في حافلة إذ كان يجبي الأموال من الركاب من دون أن يزودهم بالبطاقات . وأنّ طاهر يحيى أوشك أن يحيله إلى المحكمة لولا شفاعة الناس . وبعد أن أتمّ الكاتب مقاله قارن بين رجال الستينات ورجال اليوم .
 تأملت الكلام لثوانٍ ، وقلت لا ينبغي أن نتعامل مع القصص بعاطفة الحنين إلى الماضي من دون تمحيص . فطاهر يحيى عاش في الستينات التي كان الناس فيها آمنين على أرواحهم ، وكانت المعيشة غاية في السهولة حتى أن العراقيين لم يتعودوا السرقة والرشوة كظاهرة إلا بعد غزو الكويت . وبالمقابل فإن الستينات لم تخل من أيام سود كمذبحة الشواف ومحكمة المهداوي والانقلابات الدموية والسحل وتقطيع الأوصال . وهل هذا المطر إلا من ذاك الغيم ، كما يقول المثل ؟
 وبعد أن تأملت المقال قررت أن أقارن بين طارق الهاشمي وطاهر يحيى إحقاقاً للحق لا نفاقاً ولا ترويجاً . فالانتخابات قد مضت ولسنا بحاجة إلى تلميع الصور .  الهاشمي رجل المهمات الصعبة ، تولى قيادة الحزب ونيابة رئيس الجمهورية في ظروف لم يصنعها بنفسه ، فلا هو ولا حزبه أتوا بالاحتلال ، ولا كتبوا الدستور ، ولا شرّعوا المحاصصة ، ولا أسسوا للفيدرالية ، ولا هم الذين هجروا العراقيين من قبل ، ولا قاتلوا دول الجوار ولا غزوهم ، ولا أسسوا المليشيات الطائفية ، ولا موّلوا المتطرفين ، ولا أسهموا في الحرب الأهلية ، ولا وقفوا موقف المتشدد من شركائهم في الوطن .
 ومع ذلك فإن الحزب الإسلامي وطارق الهاشمي انبروا للإصلاح وقدموا ما قدّموا من تضحيات .
 ولأن المقارنة بين شخص وشخص ، نقول إن الجهد الذي بذله الهاشمي في هذا الزمن الصعب لا يقارن بما فعله طاهر يحيى ولا عبد الرحمن البزاز ولا نوري السعيد .نعم لعل القائل يقول ماذا قدمتم لنا ؟ وهو محقّ . فنجيب : ماذا قدّم سيدنا عليّ رضي الله عنه حين تسلم الخلافة ؟  ألم يكن دوره درء الفتن كي لا تتمزق الأمة ؟ أليس لكلّ وقت رجاله ؟ يكفينا فخراً أن نقول : إن الهاشمي لم يتورط بسفك دم العراقيين، أجمعين ، ولم يحرّض على سفك الدماء كما فعل بعض القادة حين أصدروا بيانات تحريضية بعد أحداث سامراء وغيرها . وان الهاشمي لم يبنِ له قصوراً ، ولم يدّخر أمواله في بنوك سويسرا بل أنفقها في وجوه الخير بالحق وللحق . وفي هذا فنحن لا نقول إلا الحق .
 رسالة إلى الحالمين والمتعطشين إلى الماضي ، نقول : إن في الماضي رجالاً ، وإن في الحاضر رجالاً ، فاعرفوا رجالكم قبل أن تفقدوهم .

****

مصالحة .. ولكن في اتجاه واحد  / أ. بهاء الدين النقشبندي

في كلمته امام القمة العربية التي انعقدت في العاصمة القطرية (الدوحة) دعا السيد نوري المالكي رئيس الوزراء الى ان تكون القمة بداية لمصالحة عربية وتبنى ستراتيجية عربية على اساس الشراكة الحقيقية، كلام جميل وواضح لا غبار عليه ولا جدال بشأنه، فمن منا لا يحب ان يتصالح العرب مع بعضهم، فينطبق علينا قول الشاعر:
تأبى الرماح اذا اجتمعن تكسراً
واذا افترقن تكسرت آحادا
اما الشراكة الحقيقية بين الدول العربية فتلك غاية المنى وملتقى الاحلام التي ما برحنا نراها في مناماتنا منذ نعومة أظفارنا الى ان غزا الشيب مفارقنا.
نقطة واحدة تنقص هذا الطرح، انها مصالحة في اتجاه واحد وشراكة، ولكن خارج الحدود، ان ما طرحه المالكي بحاجة الى ان يطبق في الداخل اولا أي على ساحتنا العراقية التي تئن من هذه المشكلة المزمنة منذ الاحتلال وهي مشكلة غياب المصالحة الوطنية وانعدام الشراكة الحقيقية وهما -لعمري- أس الداء وأساس النزاع والخصام.
نحن بحاجة الى مصالحة وطنية وشراكة حقيقية في كل الاتجاهات، في الداخل وفي الخارج، على مستوى الطوائف، على مستوى الأعراق، باتجاه الشمال وباتجاه الجنوب، وفي كل الاتجاهات.
لا يمكنك ان تصطلح مع جيرانك وابناء عمك وتبقي على خلافك مع أخيك، فالاصلاح اذا لم يبدأ من الداخل كان اصلاحاً ناقصاً، بل أبتر ومشوه، ولم نسمع في تاريخ الأمم وحياة الشعوب ان مسيرة بهذه المواصفات بلغت منتهاها وحققت توحيداً لشعبها وقوة لوطنها.
ان اهم قيم المجتمع الديمقراطي هي تكريس مفهوم المصالحة بين الفئات السياسية المختلفة وبين مكونات الشعب كافة، المصالحة التي يشعر من خلالها كل مواطن انه مواطن من الدرجة الاولى وانه لا فرق بينه وبين أي فرد آخر من أفراد شعبه، كما ان الشراكة الحقيقية هي الطريق الوحيد لتنمية المجتمعات ولا طريق سواه .

****

أفواجاً ... فسبَح / د. عمـــــــــار وجيه

عذراً أيها الحاكمون بأمركم فقد أشغلتم الناس بالبيضة والدجاجة وأرجأتم حل هموم الأمة إلى أشعار آخر.
ومابين الصراع بين المركزية والفدرالية، وصلاحيات التنقيب والاستثمار للنفط، والخلاف بشأن المصالحة .. من نصالح ومن نقاطع، ضاعت الأمة وجاع المهجرون واستمروا مشردين وكأنكم قدِمتم إلى العراق لتنتقموا من النظام السابق وشعبه وعمرانه ومائه وشجره, لا لتنشروا العدل بعد أن غشانا الظلم.
حين أتلو سورة النصر التي يقرأها ملايين العراقيين ليل نهار، أقف متعجباً من آيةٍ عظيمة المعنى وجيزة المبنى, ترسم برنامجاً سياسياً للحكومة والحاكم . يستوقفني قوله تعالى ( ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا) واستشعر الراحة النسبية للحكومة والحاكم حين يُرفع صوت الأذان في كل مكان ويعتدل الكيل والميزان وتمنح الكرامة للإنسان . هنالك يجد الحاكم وقتاً يسبح فيه ويستغفر بعد إكمال الدين وإتمام النعمة ويتحقق الهدف وتتحول الرؤية إلى حقيقة .
الدخول إلى دين الله أفواجا له دلالاتٌ أخروية وهي الأجر المفضي إلى دخول الجنة. أما الدلالات الدنيوية فإن الناس إذا تقاربت فكرياً ودانت بدين الله وفي الحدود الدنيا من الالتزام فإن ذلك سيكون مقدمة للاستقرار والنمو والازدهار .  رسالتي اليوم ليست إلى العلمانيين لأنهم أصلاً لا يفقهون سورة النصر ولا رسالتها ولا رؤيتها، بل إلى حملة الرايات والشارات ممن يروجون لإسلامويتهم عبر الفضائيات . أقول عجيبٌ أمركم -أيها الأخوة- ما زلتم تكررون الأسطوانة الفارغة في محتواها وتقولون : لقد حكمتمونا أربعة عشر قرناً وآن لنا أن نحكم فلا تنافسونا!! ولا ندري هل إخوانكم العراقيون الذين يعيشون بين ظهرانيكم هم الذين حكموكم ؟ وهل يتحملون أوزار من سبق ؟ وحتى لو فرضنا جدلاً بأن أجدادنا هم الذين حكموكم فإنهم لم يكونوا وجوديين ولا ماركسيين . ولئن ظلم بعض الحكام على مدى أربعة عشر قرناً فإن بعض من ثار عليهم لم يكن أقل ظلما منهم . وعلى العموم فأن الأمة لم تفقد هويتها الإسلامية العامة حتى قدم أتاتورك ليطعن الإسلام طعنةً نجلاء بخنجرٍ مسموم .
ليت شعري، هل تستطيع الحكومة وهي تقرأ قوله تعالى (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جِنة إن هو إلا نذيرٌ بين يدي عذابٍ شديد ) هل تستطيع  أن تصدر أمراً بالخلوة لمدة ساعة؟! لو حصل ذلك افتراضاً واختلى كلٌ بنفسه، رئيس الدولة ونوابُه، رئيس الحكومة ونوابُه، والبرلمانيون والوزراء، والمستشارون وقادة الجيش والشرطة والأمن، والسجانون والجلادون، والقائمون على الخزانة والمال والاقتصاد، والساهرون على قوت الشعب ووقوده وصحته، وأرباب التخطيط، والمربون والمعلمون . لو تفكر كلُ أمرئٍ ساعة فحسب، ليجيب عما قدم للشعب، فانه سيعلم علم اليقين، هل يدخل العراقيون اليوم في دين الله أفواجا أم ينفرون منه أفواجا ؟ وعندئذٍ نعلم هل يكفي أن نسبح ونستغفر أم نغير تغيِّراً شاملاً كي نتمكن من التسبيح والاستغفار ؟ .

****

فيصل السامرائي .. شهيد القضية الكبرى / أ. بهاء الدين النقشبندي

الرجال في هذه الدنيا كثيرون، لكن المتميزين منهم قليلون والاقل منهم الرجال الرجال الذي وصفهم الله ، تبارك وتعالى، بهذا الوصف: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا).
ترى لماذا وصفهم، الباري ، جل ثناؤه، بلفظة الرجال، كان من الممكن ان يأتي التعبير هكذا: "من المؤمنين من صدقوا ما عاهدوا الله عليه"، لكن مجيء لفظة رجال افرغ عذوبة البلاغة كلها في الآية الكريمة، واذا وصف الله العظيم انساناً بأنه رجل فأي شرف عظيم ناله صاحب هذا الوصف؟، لا يعلم ذلك الا الله.
واللافت للنظر ان الآية تقول (من المؤمنين رجال) و(من) هنا -كما هو معروف في النحو- للتبعيض، أي ان هذه الصفة لبعض المؤمنين وليست لجميعهم، فتأمل ذلك - قارئي الكريم.
ثم تقرأ في الآية تعبيراً عظيماً عن الثبات وحمل القضية الى آخر نفس، وآخر رمق (وما بدلوا تبديلا).
واذا كان الله ،عز وجل، لا يكتفي بأن يصفهم بأن يقول و"ما بدلوا" او "وما بدلوا وغيروا"، بل بهذا الوصف العظيم (وما بدلوا تبديلا)، أي انهم لم يبدلوا قيد انملة ولا اقل من ذلك، ولهذا جاء التأكيد بالمفعول المطلق (تبديلاً).
ما تحدثنا به يكاد لا يخطىء شعرة عن صفات أخي الشهيد الكبير فيصل، ابي حذيفة، ذلك الجبل الاشم الذي حمل على عاتقه هموم القضية وآلام الناس الى آخر لحظة في عمره المبارك الذي أفناه في طاعة الله وتحقيق مراده.
انا اعتقد ان الكلمات لايمكن ان تفي الشهداء حقهم من الثناء والوصف ولا يستطيع ذلك الا رب الارباب الذي ثبتت آيته الكريمة وساماً على صدورهم لا يدانيه ولن يدانيه أي وسام على مر الدهور والأيام .

****

أول الغيث عمرو ... ثم ينهمر / د. عمــــــــار وجيه

رسالة إلى السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية وقد حلّ ضيفاً في بغداد...
مرحباً بك في عاصمة الماء الزلال والثمر اليانع... وما كنا نتمنى أن تزورها وهي تئن متوجعة أو محتضرة. سعادة الأمين العام.. لا ريب أنكم أدركتم جميع آلام العراقيين وملكتم تفاصيل كل ما حدث منذ الاحتلال وإلى يومنا هذا.
إن العراق الذي عانى شتى التحديات عبر عشرات السنين، ذاق طعوماً ومرارات اختلفت عن بقية الأقطار. فما جرى في ساحة بغداد كان حصيلة للصراع القومي والوجودي والعرقي والطائفي فضلاً على أجندات بريطانيا وأمريكا وأجندات الجارة إيران. الفكر القومي في العراق لم يلقَ رواجاً كما راج في مصر وسوريا، لأنه في أوج عنفوانه كان له صراع مرير مع شيوعيين وغيرهم. وإن تجربة البعث التي ابتدأت عام 1968 قد اقترفت خطيئة كبيرة منذ الأشهر الأولى عندما قرر قادتها أن يعدموا الخصوم السياسيين جميعاً ومن ثم منعوا تشكيل أي حزب سياسي آخر حتى أفرغت الديمقراطية من محتواها. ومع مرور الأعوام والعقود شهد العراقيون مرارات الصراع مع الكرد والمخالفين من العرب وآثروا في ضوء ذلك أن يتفرغوا للعلوم والمهن لأن السياسة في العراق أصبحت أشد حرمة من الكفر. ولم يبق سوى القليل من الذين يعملون في السر من أهل الداخل أو اللاجئين من المعارضة في الخارج.
وبعد أن طحنت الحروب جميع العراقيين ولم تذر بيتاً إلا وفيه مصيبة، أعلنت الحكومة الحملة الإيمانية لتخرج من عنق الزجاجة، وكان قدر الله فيها خيراً حين أصبح المسجد مكاناً يجتمع فيه الناس على اختلاف مذاهبهم الفكرية والطائفية. هنالك اجتمع الناس ليتحاوروا ويتغافروا ويفتحوا صفحة جديدة، لكنها لم تكن كافية لأن الفتق أوسع من أن يرتق في الحوار وإن الخطايا كانت بحاجة إلى كيّ بالنار. فضلاً على أن الكرد لم يشملوا بهذه الحملة الإيمانية ولا بالمصالحة الوطنية وأن الكثير من أهل الجنوب كانوا غاضبين نتيجة لبطش الحاكم.
وبعد أن تخادع المحتل والمعارضون في الخارج ورفعوا شعار الخلاص وقعت الطامة وتضاعفت المظالم أضعافاً مضاعفة وعولجت الخطيئة بخطايا. وكان الناس يتوقعون الشهد لكنهم جنوا علقماً تغص به الحلوق.
سعادة الأمين العام.. إن عليكم اليوم مسؤولية كبيرة في أن تساعدوا العراق بأقصى جهد. ذلك أننا معاشر العرب والمسلمين - رضينا أم أبينا - في مركب واحد، وأن ما أصاب العراق سيتطاير شرره من دون أدنى ريب على الجيران ما لم نسرع في إخماد الحريق.
المطلوب من الجامعة العربية أن لا تتعامل مع أزماتها بعقلية الستينات التي نقلت الصراع من الخارج إلى الداخل. وأن إسلاميي اليوم أصبحوا أكثر انفتاحاً من قبل وأن القوميين لم يبق لهم من نظرياتهم السابقة سوى الاسم فقط. المطلوب من الجامعة العربية أن تُفهِم الناس بأن الإسلام هو روح العروبة وأنها من غيره جسد بلا روح.
المطلوب أن تتعاون الجامعة مع منظمة المؤتمر الإسلامي في استيعاب الأطياف والقوميات التي اضطرت أو اختارت في وقت من الأوقات أن ترتمي في أحضان المشاريع الأجنبية والإقليمية لتتخلص من نير العرب ونار العرب.
المطلوب أن نمدّ أيدينا إلى الشيعي المسلم العربي وغير العربي فالأول له حق الدين واللسان والثاني له حق الدين والجوار. ليس صحيحاً أن نقاطع وننابز ونشهر بل الصحيح أن نحاور ونحن أقوياء لنتعايش ونقرّب وجهات النظر.
المطلوب أن نمد أيدينا إلى الكردي المسلم الذي رفع رأس العرب والمسلمين في حطين ليكافئوه بعد ثمانية قرون بشعار (أمة عربية واحدة ... ذات رسالة خالدة) وهي بمثابة طرد غير مباشر للمكونات غير العربية. المطلوب أن تصل رسالة رشد إلى البعثيين تطالبهم بالكف عن طلب السقوف العالية. إذ العراق بلد العراقيين والبعثيون الذين لم يقترفوا جرائم إبادة هم مواطنون لهم ما لغيرهم من العراقيين. وإذا أرادوا من إخوانهم العراقيين أن ينصفوهم ويسعوا إلى إعادتهم فليكفوا عن شتمهم على لسان زيد أو عمرو وليمدوا أيديهم إلى إخوانهم الذين قدموا ألوف الشهداء لأجل أن لا يظلم الناس ولأجل أن يحصل الجميع على حقوقهم وحرياتهم السياسية والمدنية وغيرها. لابد أن تفهم الحكومة العراقية اليوم بأنها شاركت أو سكتت عن ظلم جاوز ظلم النظام السابق أضعافاً مضاعفة وأن عليها أن تسعى جادة إلى الإصلاح قبل فوات الأوان، لأن العقاب الإلهي - وعزة الله وجلاله - لن يفلتهم.
لابد أن تفهم إيران أنها جاوزت عشر خطوط حمر وأن دولتها لن تستمر مادام الظلم جرى في دمها. ولابد أن يفهم حكام العرب جميعاً أنهم ارتكبوا خطايا كبيرة بحق شعوبهم عندما بغوا عليهم وظلموهم وطأطأوا رؤوسهم للأجنبي على حساب أكثر من مليار عربي.
سعادة الأمين العام... رسالة شرف ترفعها لحكام العرب... أما آن لكم أن تقفوا ولو مرة واحدة وقفة شرف في الأقل من باب الغيرة من الموقف المشرف للحكومة التركية مع الشعب الفلسطيني؟
ونحن معكم .. وكما عفونا عمن ظلمنا فإن شعوبكم ستعفو عنكم .

****

السياسي الناصح والسياسي اللئيم / أ. بهاء الدين النقشبندي

لا أدري ان كانت صفة (الناصح) تقابل صفة (اللئيم) في اللغة العربية، لكنني - على أية حال- اعتقد انها كذلك في السياسة وربما لا يوجد في ادبيات السياسة مصطلحا (السياسي الناصح) و(السياسي اللئيم)، ولكنهما موجودان في عالم السياسة حقيقة، وان كانا يُعَبر عنهما بتعابير اخرى كالانتهازية السياسية او ما يدعى بـ (political opportunism) في مقابل المبدئية السياسية.
السياسي الناصح هو الذي يضع نصب عينيه مصلحة شعبه ووطنه ولو على حساب مصلحته هو، بل يضحي بكل مصالحه وبنفسه وحتى بسمعته من اجل شعبه ووطنه عندما يفهمه أهله بشكل خاطئ، فهو الناصح لهم دوماً، المدل لهم على طريق الصواب، المنبه لهم على الخطر، والطريق الخطأ أياّ كانت الخسائر التي يتجرعها -كما قلت- وقد ينتبه (قارئي الكريم) الى أنني اعتبرت التضحية بالسمعة أكبر من التضحية بالنفس وحقه عليّ ان اوضح له ذلك فأقول: في حالات كثيرة تكون التضحية بالسمعة اشد على النفس من التضحية بها، فقد سمعنا عن كثير من السياسيين الذين يصعدون على اعواد المشانق دون ان يعلنوا تنازلاً أو يخضعوا لضغوط.
ان التضحية بالنفس قد لا تستغرق سوى ثوان قليلة او دقائق معدودة، لكن التضحية بالسمعة والشرف الرفيع يجلجل العمر كله بالعار وشتيمة ولعنات الاجيال من دون وجه حق، وهذا هو الموضع الاشد ايلاماً على النفس، عندما تكون في قمة الاخلاص لوطنك ويظنك الناس خائناً بائعاً للقضية. في تاريخنا ظل الناس يلعنون بعض السياسيين عشرات السنين ثم أيقنوا من بعد انهم أنقى وطنية وأشد حباً للوطن من كثير من المطلبلين والمزمرين بحب الوطن، وما أشبه الليلة بالبارحة -كما يقال- فقد رأينا سياسيين لئاماً لا همّ لهم الا مصلحة انفسهم وشهواتهم، اما وطنهم فهو عندهم سلعة يزايدون عليها من دون وازعٍ من ضمير أو رادع، ومع ذلك فقد انخدع بهم الجمهور واعطاهم صوته الثمين في انتخابات مجالس المحافظات التي جرت في كانون الثاني الماضي بلا وعي ولا حساب للتداعيات ولا يعلم هذا الجمهور المسكين ان هؤلاء هم من فئة السياسيين اللئام الذين يقتاتون على الآم شعبهم ودمائه كما يقتات البرغوث على دم ابن آدم. ان من أقسى المصائب أن تنخدع الشعوب بلئام السياسيين فتسلم لهم قيادها فيهوون بها في مهاوى المهالك والردى، ألا فلتتيقظ الشعوب لمثل هذا الجراد الفاتك فإن في غفلتها هلاكها - أعاذنا الله واياكم- .

****

في الطائف لطائف / د. عمار وجيـــــــــه

في ذكرى مولد المصطفى المقدام عليه الصلاة والسلام، تلوح لنا أسباب النصر والتمكين. ولعل مشهد بدر الكبرى (يوم التقى الجمعان) أكبر عنوان للنصر إذ طاحت سبعة رؤوس كبار في قليب بدر وهوى صنم الطغيان. إلا إن حكاية الطائف أبلغ وفيها لطائف. إذ إن من يستمع بقلبه إلى الصوت الشجي للنبي صلّى الله عليه وسلم وهو يشدو (إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، لكن عافيتك هي أوسع لي) ودموع زيد تهوي غزيرة إلى الأرض وهو يرفع يديه إلى السماء: اللهم آمين. من يستمع ويتأمل ذلك المشهد بحرارة الإيمان يتذوق معنى النصر حقاً وحقيقة.
الطائف بستان جبلي مبارك فيه النخيل والأعناب وسائر الثمر وهو مصيف العرب. من يقصده داعياً إلى الله تعالى يتوقع رطوبة الأفئدة كما يتذوق رطوبة الأعناب، لكن القساوة التي أبداها أهل الطائف فاجأت نبي الله محمداً صلّى الله عليه وسلم إذ لم يعهد مثل هذه القساوة لقريش الجفاء ذات الصخور الصماء. وإن سفاهة أبناء عبد ياليل فاقت سفاهة أبي جهل لأنه أغرى الأطفال ليرموا أقدام النبي صلّى الله عليه وسلم بالحجارة فضلاً على إغراء السفهاء.
ولأن كانت قريش قد كفرت في اليوم الأول للدعوة نتيجة للجهل والهوى فإن الطائف كفرت بعد عشر سنوات من الدعوة ولم يعد أحد في جزيرة العرب يجهل حقيقتها، وذلك كفر أشدّ. ولأن كانت قريش تخشى فوات فرصة كسب المال والجاه في خدمة الحرم المكي فإن الطائف ليس عندها ما تخشاه لأن المسلمين لن ينافسوهم على غلتهم ولا على بساتينهم.
إن درس الطائف عسير ومفيد في الوقت نفسه لأنه يفتح أبواب السماء بعد أن أغلقت أبواب الأرض جميعاً، وإن جائزته هي الإسراء والمعراج وهي جائزة في السماء رأى فيها النبي صلّى الله عليه وسلم عجائب صنع الله فهانت عليه الأرض وهان عليه كفر أهلها.
دروس الطائف فيها لطائف وتتكرر في كل وقت وحين واليوم وبعد أن دنس الإنكليز أرض العراق في العشرينات ودنسها الأمريكان قبل ست سنوات عادت إلينا الطائف وانهالت الحجارة مرة أخرى على الدعاة شتماً وحبساً وتهجيراً. وإلا فما معنى أن يفتح المرء عينيه كل يوم ليقرأ في عناوين الصحف ذلك الشتم للإسلاميين ولربما ينام ليلته بعد أن يستمع ويرى عبر الفضائيات ذلك الشتم؟ وإني لأعجب لجهل الشاتمين فإذا كانت لديهم خصومة مع فرد أو عشرة فلماذا يشتمون العنوان؟ هل يعي هؤلاء الجهّال إنهم إذ يشتمون الحركة الإسلامية المباركة فهم يسبون من أحسن إلى الناس أيام القمع وأيام الحصار وأيام الاحتلال؟ هل يعي هؤلاء الجهّال أنهم يشتمون من سيّر التظاهرات ضد الإنكليز والصهاينة والأمريكان؟ هل يدركون أن هؤلاء تورعوا عن الانتماء إلى الأحزاب العلمانية وحرموا من الدخول إلى الكليات الإنسانية والدراسات العليا لأنهم لم ينتموا؟ وهل يفهمون أنهم رفضوا الانتماء خوفاً من أن يحسبوا على من ظلم شعبه؟ إننا نقول لإخواننا وأخواتنا في التيار الإسلامي عامة وفي الحزب الإسلامي خاصة (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وإن تطرق إلى قلب أحد منّا شكّ فليتذكر أنهم حفظ المال العام يوم سرق الناس. وحرم على نفسه قتل إخوانه العراقيين من كرد وشيعة وسنة يوم تقاتل الناس. وآزر إخوانه الفلسطينيين وجادت أهله بحلييها على أيتامهم وجرحاهم يوم بخل الناس. وامتنع عن الكبائر والموبقات من زنى وخمر وسرقة واختلاس يوم خاض فيها الناس. وترفع عن المسلك الطائفي المقيت حين انغمس فيه الآخرون ودافع عن بيوت الله عندما نكص الآخرون. ورفض الاحتلال وقاومه حين فر الآخرون. لعلك أيها القارئ الكريم، تقول إننا أخطأنا وعصينا هنا وهناك، وأقول: نعم ولا أنكر، لكني سأسوق لك مثالاً لتجد البون الشاسع، ولست أبالغ بهذا المثال. فأحد مسؤولينا يفصل موظفاً من دائرته لأنه لا يتورع عن أخذ فضلة المال الذي يبقى من المشتريات وهو مبلغ تافه جداً لكن أخانا المسؤول يعرف الحلال والحرام. في الوقت الذي يقدم فيه وزير من إحدى الكتل طلباً بثلاثين مليون دولار لمشروع إعمار فتأتيه ثلاثمائة مليون دولار أي عشرة أضعاف المبلغ بسبب إضافة صفر عن طريق الخطأ ثم لا يعيد هذا الوزير المبلغ ويتصرف به ولا أحد يدري أين ذهب ذلك المبلغ!!. وإني إذ أذكر هذا البون الشاسع لا يعني أن أقلل من أخطائنا لأننا يجب أن نتوب من الصغائر قبل أن نقع في الكبائر ولكن كي أثبت للقراء الكرام أن أيادي إخوانهم على العموم ما زالت وستبقى بيضاء.
وإن فَرَجَ يثرب بعد ضيق الطائف .

****

الرسول الإنسان (صلى الله عليه وسلم) / أ. بهاء الدين النقشبندي

لو كتبنا ملايين الصفحات في صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلقه وسيرته ما كفتنا ، فعن اي شيء نتحدث هل نتحدث عن تقواه وعبادته ؟..ام عن حلمه وشجاعته؟.. ام عن رحمته ورأفته؟.. ام .. أم .. ألخ، مما لا يسع له كتاب او تحيط به مكتبة، حتى لو كانت بسعة مكتبة الكونغرس التي يضرب بها المثل في سعتها وضخامتها . محمد هو محمد صلى الله عليه وسلم ولا يمكن لأحد ان يستوفيه حقه من الوصف، إلا ربه ،تبارك وتعالى، فقد قال عنه: (وانك لعلى خلق عظيم).. يا  لله ما هذا الخلق الذي يصفه الله العظيم، رب العظمة كلها، بأنه خلق عظيم. لقد بلغ خلق نبينا صلى الله عليه وسلم شأواً لا يعلمه إلا الله، وهكذا هي بقية صفاته ومواصفاته، لكنني هنا اريد ان اشير الى نقطتين فقط في هذه السيرة العطرة والسفر الخالد، الأولى هي : حديثه صلى الله عليه وسلم: (اعطوا الأجير حقه قبل ان يجف عرقه) وادعوكم يا قرائي الافاضل جميعا ان تتفكروا هل سمعتم بمثل هذا المنهج الذي يدافع عن الفقراء وعن العمال والفلاحين بمثل هذه الطريقة ، تعطي الأجير حقه قبل ان يجف عرقه، وانا اعتقد جازماً ان العبارة ليس فيها مجازٌ للدلالة على سرعة دفع اجور الفقراء، بل هي حقيقة تدعو صاحب العمل الى اعطاء الاجير حقه قبل ان يجف عرقه فعلاً وحقيقة.
لقد تكلمت الكثير من النظريات كالماركسية وغيرها عن العمال وحقوق العامل لكنها لم تصل الى عشر معشار نظرية محمد صلى الله عليه وسلم .
والنقطة الأخرى :هي حديثه صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب الكعبة المشرفة : (ما اعظمك ، واعظم حرمتك، لحرمة المؤمن اعظم عند الله من حرمتك، ولقطرة دم تراق من امرئ مسلم اشد على الله من هدم الكعبة).
بالله عليكم، اي شريعة لحقوق الانسان ترفع حقوقه بمثل ما رفعها محمد صلى الله عليه وسلم. والله لو قرأت كل مواثيق حقوق الانسان لوجدتها ما بلغت قطرة من بحر من منهجه صلى الله عليه وسلم في الدفاع عن حقوق الانسان ولن تستطيع منظمة (Amnesty international) ولا اية منظمة دولية او اقليمية او محلية لحقوق الانسان ان تفعل ما فعله محمد صلى الله عليه وسلم، والدليل هو ما نراه وما نسمعه في الفضائيات ووسائل الاعلام الاخرى من انتهاكات فاضحة لهذه الحقوق من دون ان يرتفع لهذه المنظمات صوت او يرمش لها جفن .

****

الإسلام والعلمانية - مرة أخرى / د. عمــــــار وجيه

يبدو أننا لا بدّ أن نتناول هذا الموضوع مرة وأخرى ، لأن كثيراً من الناس اليوم مشوشون في خياراتهم ، يميلون إلى الإسلام تعبداً ويصوتون للعلمانية حكماً ، وهم في هذه الازدواجية يحاكون التجربة التركية قبل تسعين عاماً . ولست أدري هل يصرّ العراقيون على خوض تجربة طويلة مريرة حتى يقتنعوا بالأنموذج الإسلامي بعد ثلاثة أو أربعة أجيال ؟ إن كان هذا سيحصل فهو، لعمر الحق، مصيبة .
الإسلام أيها القراء الكرام رحمة ، ومن الغباء بمكان أن ينظر إليه إلى أنه تشدد أو عناء . فالقرآن الكريم ذكر اليسر في كذا موضع ، كقوله تعالى : (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، وقوله : (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم). المشكلة أن بعضهم يتصور أن التعاليم تشدد ، وهو نقيض الواقع ، لأن هدي القرآن والسنة تيسير للخلق أيما تيسير ، كونه يغنيهم عن كثير من العناء الذي يمكن أن يبذلوه في التفكير للوصول إلى حكم يعود بالسعادة على شعوبهم . فمثلاً ، الفقه الحنفي فرّق بين مصطلحي الرضا والاختيار منذ 1300 عاماً ، في حين أن القانون الفرنسي لم يعرف الفرق إلا قبل قرنين من الزمان. ويعرف رجال القانون كم اقتبس القانون الفرنسي من الشريعة الإسلامية .
ولولا الكتاب والسنة والقواعد المستنبطة منهما لشقّ على المسلمين أمر الحكم والسياسة والاقتصاد وأحكام الحلال والحرام والسلم والحرب . فأي عاقل يمكن أن ينكر فضل الإسلام على العقل الإنساني في العالم ، ولكم أن تطلعوا على واحد من عشرات الألوف من كتب الشريعة الإسلامية ، واقرأوا إن شئتم كتاب (الوجيز في القواعد الفقهية) للعلامة الدكتور عبد الكريم زيدان والذي يشرح فيه مائة قاعدة فقهية ، ما ينتهي أحدنا من الاطلاع على واحدة منها حتى يسبّح الله تعالى على عظمة هذا الدين الذي أنتج هذه القواعد وغيرها ويسر أمر العباد .
ولكي أبسّط المعنى أقول : أيهما أفضل أن نشتري جهازاً مع كتيب مرشد ( كاتالوك ) أم من دونه ؟ فإذا كان القرآن منهجاً والإسلام سلوكاً هما المرشد لنا ، فأيّ عاقل يزهد بالإرشاد ؟.
ونحن في الوقت نفسه لسنا معنيين بهرطقات المشعوذين ولا سلوك المنحرفين ليحسب على الإسلام كي ينفر الناس من دينهم ليختاروا العلمانية وينتحروا كما انتحر الترك تسعين عاماً لولا أنهم أدركوا أخيراً أنه لا بدّ من التصحيح . وما موقفهم الأخير المشرّف إلا ثمرة لذلك التصحيح .
وإذا كان الناس سينتقدون الإسلاميين في العراق بسبب ضعف الخدمات والعجز عن تنفيذ ما وعدوهم به فلسنا نلومهم ، بل ربما نعطيهم الحق في ذلك إلى حدّ ما ، ولكن نقول ولأجل إحقاق الحقّ : إنّ جميع إخوانكم الإسلاميين الذين لم يتخذوا الإسلام تجارة أو وسيلة للتسلق بل جاهدوا في كل مواقعهم لخدمة الشعب ، إنّ هؤلاء - وإن ارتكبوا أخطاء غير مقصودة كونهم بشراً - فقد بذلوا كل ما لديهم لخدمة الشعب ، ولئن تأخرت ساعة النصر فإنها آتية، بإذن الله، وسوف يعدّ لها رجالها الذين يعلمهم سبحانه ، وإلا فما الذي أعان الصحابة على صبرهم مع النبيّ عليه الصلاة والسلام لولا ثقتهم بالنصر الموعود في وقته؟
أما اللاهثون نحو العلمانية من شدة الضيم فهؤلاء، والله مساكين، ونحن نتألم لحالهم فهم كالطير المذبوح ، أو قل كرقاص الساعة يميل شمالاً ويميناً ثم يستقر بعد حين .
  الصواب ألاّ ننزع ثوب الإسلام لنختار العلمانية بعد أن عبثت بالعراق نصف قرن ، بل ننزع ثوب المشعوذين وأهل البدع وعبّاد السحر والأبراج والفناجين والخرق ونتبرأ من السفاحين والذباحين لنتجه نحو الإسلام الوسطي الحضاري الذي يرأف بالفقير ويكرم الشابّ والفتاة ويعزّ المرأة والرجل ويحترم الإنسان أياً كان.
 هذه دعوة للمواطنين الذين صوتوا للعلمانيين أن يسألوا أنفسهم هل يريدون أن يحشروا يوم القيامة مع العلمانيين ؟! واللبيب يفهم .

****

عندما يوهم الرئيس نفسه / أ. بهاء الدين النقشبندي

قبل ايام قرأت كتابا عنوانه: (التحليل النفسي للرئيس الامريكي وودورو ويلسون)، قام بهذا التحليل سيغموند فرويد صاحب مدرسة التحليل النفسي الشهيرة.
وودورو ويلسون هو الرئيس الثامن والعشرون للولايات المتحدة الامريكية الذي حكمها بين عامي 1912 و 1920، وهو الذي وقع معاهدة فرساي مع الحلفاء بعد الحرب العالمية الأولى والتي كانت بنودها القاسية أحد الاسباب الرئيسة لنشوب حرب كونية جديدة هي الحرب العالمية الثانية. ويلسون هذا هو صاحب المبادئ الأربع عشرة التي تعطي الشعوب الضعيفة حق تقرير المصير، والتي لم ترَ هذه الشعوب منها إلا زيفاً وشعارات، كما هي شعارات وزيف بعضهم في هذه الايام وما اكثرهم في ايامنا السود هذه، واذا لم تصدق كلامي - ايها القارئ العزيز- فما عليك إلا ان تضغط زر التلفاز وتشاهد الفضائيات التي تملأ الكون زعيقاً وضجيجاً بالشعارات والاوهام وخداع الجماهير.
ما يهمنا في هذه القصة ان ويلسون هذا كان ميالاً دائماً لأن يُلبس معارضيه ثوب أبليس -كما يقول فرويد- لأنه يظن انه صاحب الحقيقة المطلقة وفي ايامنا هذه نشهد نماذج مماثلة عندما يظن بعضهم ان الجميع يتآمر عليه وانه وحده من يدافع عن مصلحة الوطن وان الآخرين غير جديرين بهذا الشرف . لقد سببت لنا اوهام القادة كوارث لا تحصى لكننا نرى اناساً يكررونها من جديد ويتسببون بآلام جديدة بشعبنا واهلنا.
يقول فرويد عن ويلسون ان ثقته بنفسه وبرسالته قد زادت الى الحد الذي اشار فيه الى مواطني الولايات المتحدة في خطاب له بعد حفلة غداء في قصر باكنغهام بقوله: (شعبي)، وكأنه احد ممتلكاته ومقتنياته.
 لقد اوهم الرئيس نفسه وما اكثر الرؤساء الواهمين اليوم الذين ينامون ويستيقظون على اوهام ليس لها من الحقيقة حظ او نصيب إلا في عقولهم المريضة عافانا من شر الاوهام والواهمين ، اللهم آمين .

****

تفاحة عمتي / د. عمار وجيـــــــه

عمتي المرحومة امرأة لطيفة كانت تعمل بصمت وتتفانى في الضيافة. وحين كان والدي يزورها صباح كل يوم قبل أن يتوجه الى العمل تعلم أنه لن يمكث في بيتها أكثر من نصف ساعة فتسرع في تنفيذ برنامجها اليومي.... شاي وقهوة ومعجنات، وأحياناً تسرع في تقشير تفاحة وتأتي بالسكين على نصفها فيذهب اللب مع القشر من شدة العجلة فيمازحها أبي قائلاً: ماذا أبقيت منها؟
هذا المشهد الفكاهي لم يزل عالقاً في ذهني وكلما ألفيت أحداً يتلف شيئاً مما لا ينبغي إتلافه بسبب الاستعجال، أقول له: مثلك كمثل (تفاحة عمتي).
ترى هل أصبح العراق اليوم مقشراً مثل هذه التفاحة؟ الحقيقة أن العراق اليوم أشبه ما يكون بأحد أفلام (كيرك دوكلاس) و(أنطوني كوين). إنه بلد الطسّات والحفر والغبار. ومن حكمته تعالى أن يرسل الرياح فتثير سحاباً ليمطر في الشام ويبعث بالغبار إلى العراق حتى أنني ومن شدة الوجد أرتجز للغبار بقول الشاعر: كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وأتخيل دائماً أننا -معاشر العراقيين- لابد أن نحيا صوراً من المعركة على مدى ساعات عمرنا!! يوم أن تشرفنا بقدوم الدبابات والطائرات الأمريكية وهجمت علينا بيوتنا وجرّفت مزارعنا واستشهد أبناؤنا، روّج القوم دعايات ليضحكوا بها على أبنائنا فقالوا: إن المواطن الإماراتي سوف يمسح زجاج سيارة المواطن العراقي!. ولربما حدا ذلك بأبنائنا أن يحلموا بأن عمارات الشورجة ستناطح ما فوق السحاب، وأن المرأة التي تأتي من الكوت لتشتري بهارات البرياني لابد من أن تصعد إلى الطابق رقم 220 وهو الطابق المخصص للتوابل، وأنها ربما تستطيع هنالك أن تسلم على الطيار الذي انطلق تواً من مطار مدينة الصدر متوجهاً إلى ستوكهولم!!
ومع مرور الأيام صدقت النبوءة وتمكنا من تعبير الرؤيا وأخذ العراق يستورد الحديد والسمنت واستبشر الناس خيراً بقدوم الحضارة. لكنهم فوجئوا بمانشيتات الصحف التي أعلنت حفل زفاف الشاب كونكريت مع الفتاة صبة، وما هي إلا أيام حتى ولدت تلك الفتاة آلاف الصبات كالأرانب ملأت أزقة بغداد والمحافظات. وبدلاً من عمارات الشورجة ذات الثلاثمائة طابق بنينا عمارات أفقية على شكل (زكزاك) وتمكنت المرأة الواسطية أن تشتري الفلفل من سقيفة عباس أبو الهيل في سوق الشورجة وألقت بالتحية على الطيار الذي كان جالساً عند عباس يحتسي الشاي لأنه يطير مرة في الشهر!! حقاً إن العراق قد أصبح مثل تفاحة عمتي وأتى الاحتلال على ما تبقى من اللب بعد أن شرعت الأنظمة السابقة بتقشير حضارتنا ونخيلنا وطرقاتنا.
هذه رسالة إلى أعضاء مجالس المحافظات بلا استثناء والذين سيخدمون بلادهم أربع سنوات. ترى هل نرى عراقاً بلا صبات؟ وهل تختفي بحيرات الضفادع والبعوض؟ وهل يعدو شبابنا على الشوارع بدلاً من عدو الكلاب السائبة؟ وهل تسير مركباتنا في شوارع لا نحتاج الى أن نقول في كل دقيقة: بسم الله .. طسّة؟ وهل نشرب ماء لا يكون مرتعاً للكوليرا والزحار؟ وهل ينجو سروال التلميذ وتنورة التلميذة من مسمار في رَحلة؟
وهل سيتمكن أبناؤنا من دخول المرافق الصحية في المدرسة دون أن يكفّوا سراويلهم أو يأتوا بقنينة الماء من (حنفية) الساحة لأن الحمام لا ماء فيه؟ إنها فرصة أيضاً لأعضاء مجالس المحافظات أن يخففوا من حالة الهوس الارتيابي الذي غشي السياسيين، في الأقل بتقديم خدمة تأتي بعد عرق ونصب لعله يخفف حدة التوتر ويمهد للمصالحة وعودة المهجرين .

****

فارس آخر يترجل  الشهيد سمير صفوت الحديثي / أ. بهاء الدين النقشبندي

عندما قرأت آيات سورة يس: (وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ  إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ  قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ  بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ).
عندما أقرأ هذه الآيات العظيمة أتذكر أخي الحبيب الشهيد الكبير سمير صفوت الحديثي الذي سبقنا الى دار الحق عند مليك مقتدر، أتذكر همته ونشاطه وحضوره في كل المناسبات قادماً من بيته البعيد في الزعفرانية في أقصى مدينة بغداد، وربما تشابهت الصورتان في بعد المسافة وفي الهمة السامية وفي النهاية الأليمة في حساباتنا، ولكنها العظيمة عند الله ،عز وجل، لانها توجت بالصورة الرائعة : (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ  بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ).
 يقولون : (رُبّ هِمة أحيّت أمة)، وأقول: بمثل همة أخي الشهيد سمير تحيا أمتنا وتستمد وجودها وحياتها، لذلك فإن أخي سمير -رحمه الله- كان (شهيد الهمة) بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ودلالة. لقد تجاوزت همته -طيب الله ثراه- حدود نفسه فأنطلق يدفع أهله معه ليشتركوا معه في كل نشاط وكل فعالية لاعلاء كلمة الحق والدفاع عن القضية الكبيرة التي نحيا من أجلها جميعاً. قديماً قال الجواهري:
دم الشهداء أنت أعز مُلكـاً
وقاعـك أشرف الدنيا بقاعـا
وانت الخـلد بالانهار يجـري
 وبالمسك انتشى أرجـاً وضاعـا
دم الشهداء كنت النـار شبت
على الباغين تندلـع اندلاعـا
تلف طعامهم نكسا فنكسـا
الى يوم تلفهـم جماعـا
الى يوم تطيح بمـا اقامـوا
ومـا اختطـوا فتنسفه اقتلاعـا
هذا فارس آخر من فرسان هذا الزمان القلائل يترجل عن صهوة جواده ليلاقي ربه راضيا مطمئنا ككل الفرسان العظام الذين لا يجود الزمان بمثلهم الا قليلا.
رحمك الله يا أخي سمير وبلغك منازل الشهداء في عليين، ان القلب ليحزن، وان العين لتدمع وانا على فراقك يا أخي الحبيب لمحزونون .

****

في التأني السلامة / د. عمار وجيـــــــــه
 
الانتخابات امتحان من دور واحد، لا يعود إلا بعد سنوات أربع. وتلك مشكلة وعلى الناس أن يفقهوها، ولا يجدي قول القائل: (رب ارجعون. لعلي أعمل صالحا..).
وفي نينوى خُطِف القرار بظلم الجار وإرهاب الفجّار وحورب في المدينة الأخيار. ولشدة الهول وسأم الناس انداحوا جميعاً نحو منادٍ يدعي الخلاص. وكانت صدمة، فقد اختل الميزان عربياً كما اختل في الأمس كردياً وأوشك القدر أن ينكفئ مرة أخرى، ويستر الله مما سيأتي.
وفي غمرة هذه الأحداث دعونا نقلب شريط الماضي على عجل كي نعي الدرس. فقد دُبِّر لنينوى أمر بليل يوم وقع الاحتلال وأهلها عن كل ذلك غافلون. عاث اللصوص وانبرى لهم أهل النخوة فأثخنوهم بالجراح وردّ الله عن المدينة بأسهم. لكنها بقيت يتيمة فلا جيش ولا شرطة، وليس سوى جند (بريمر) يجتاحون ضواحيها الشمالية ويسلمونها للبيشمركة ويعينونهم على التترس في نقاط التفتيش في قلب مدينتنا.
وسواء استاء الناس وتذمروا أو لم يتذمروا فلم يكن بأيديهم حيلة للتغيير لأنهم عُزَّل وكانوا بحاجة إلى وقت طويل ليعدوا العدة ويستعدوا للقاء. وكما دفع العراق كله ثمناً باهظاً من الشهداء والمهجرين نتيجة للتدافع مع كل أنواع الاحتلال فقد كانت لنينوى حصة كبيرة من هذا الأذى.
وصدقاً أقول إن الآخرين كانوا أسبق منا في التخطيط لمصالحهم، فيوم أن كنا نمسح عن الناس جراحات الحصار إغاثة وتعليماً للقرآن وتطبيباً مجانياً ودعوة تصبير على المنابر، كان الآخرون يعقدون الصفقات في الغرب. ومع ذلك فقد كنا ولا نزال نعلم أن التغيير بحاجة إلى وقت، ولذا فقد كنا في مقدمة المضحين وجُدْنا بالأرواح والدماء واجتهدنا وأخطأنا وأصبنا لأننا أولاً وأخيراً بشر. وكنا نأمل من إخواننا وأخواتنا في نينوى المزيد من الثبات والرباط ونحاول أن نشد من حبل العزيمة ولكن يبدو أن جهودنا لم تكن كافية لإبقاء الحبل مشدوداً لأن معاول المجرمين على رؤوسنا تنهال بالأذى. قتل وتشهير وتكفير واستباحة دماء وافتراء، وليت الافتراء اقتصر على المكفرين لكنه وللأسف صدر أيضاً عن المنافسين السياسيين والذين كان يفترض بهم أن يكونوا أكثر لياقة ومروءة في التنافس السياسي.
وإني هنا لا ألوم الناس إذ تعجلوا في وضع البيض في سلة واحدة ولكن أقول هل نسوا فضل أستاذ الجميع غانم حمودات على ثلاثة أجيال رباهم في الإعدادية الشرقية وعلمهم القرآن واللغة ومكارم الأخلاق؟ أم نسوا دواء الأبدان والقلوب الذي كانوا يتلقونه من عمر الصيدلاني؟ أم غاب عن وعيهم تلك المواقف المشرفة والمؤلفات الراقية للشيخ إبراهيم النعمة؟ أم أغمضوا أجفانهم عن البلسم الشافي الذي كانت تقطره يد الدكتور محمد شاكر في أعينهم؟ ومع ذلك فنحن لا ندعي الكمال ولا نخدع شعبنا فقد قلنا إننا قادمون للتغيير وليس للخلاص كما ادعى غيرنا، وإن كان أهلنا في نينوى غير واثقين من كفاءتنا فلا ضير لأننا واثقون من أنفسنا ولكن ألم يفكروا بأن المجلس بحاجة إلى النزاهة أيضاً وهل يعجز أبناء غانم حمودات عن حفظ المال العام؟
مرة أخرى لا ألوم أهلي لأننا أقسمنا اليمين على خدمتهم بنكران ذات، لكن والله أقول وبلا تردد إنني ألوم العقلاء والوجهاء الذين كان ينبغي لهم أن يفهموا أن مجلس المحافظة يجب أن يشارك فيه الجميع ليسهموا في خدمة مدينتهم، وإنني أحمل الوجهاء كافة مسؤولية الذي حصل فقد مالت الكفة مرة أخرى كما كانت ولكن باتجاه آخر.
نحن إخوانكم لم نخسر لأننا لسنا طلاب مناصب ولسنا من الحماقة أن نقدم قرابة مائة من الشهداء من فلذات أكبادنا كي نجلس على كرسي لا قيمة له.
أرجو أن يعي الناس الدرس جيداً لأن سنة الله لا تسمح بتكرار الأخطاء فمن أخطأ في أُحد لن يسمح له بأن يخطئ في الخندق مرة أخرى.

****

القوائم المفتوحة والنوافذ المفتوحة / أ. بهاء الدين النقشبندي
 
كما بعثت القوائم المفتوحة روح الحياة في انتخابات مجالس المحافظات في 31 / 1 / 2009 من خلال وضع الناخب العراقي امام مسؤولية خطيرة باختيار المرشح الكفء القادر على خدمة الوطن والمواطن، وكما فتحت القوائم المفتوحة الساحة امام كل الخيارات واغنت ساحتنا السياسية بالتعددية، كذلك تعمل النوافذ المفتوحة على ادخال الهواء المنعش لنفوسنا وعقولنا وتنمي وعينا وادراكنا وتجعل حياتنا اكثر صحة واكثر انسانية.
 نحن بحاجة الى فتح نوافذنا لنستقبل هواءً نقيّاً نتنفسه، فيحيينا، لأن النوافذ المغلقة ليس لها الا ان تجعل هواءنا فاسداً خانقاً يفسد قلوبنا وعقولنا، بل يفسد حياتنا كلها.
 النوافذ المغلقة مدعاة للجمود والخمول والكسل والفشل والاختلاف والصراع، ثم الاحتراب.
 النوافذ المغلقة والابواب المغلقة بؤرة للتعفن ونمو الامراض بكل انواعها العضوية منها والنفسية، وهي الاخطر في بناء الاشخاص والمجتمعات والدول.
يحدثنا تاريخ البشرية ان المجتمعات والدول المغلقة كان مآلها الى التدهور والانهيار.
 لقد كان الانهيار المفاجئ لدول المعسكر الاشتراكي كسقوط احجار الدومينو واحدة بعد الاخرى كما في نظرية الدومينو (Domino theory) في علم السياسة.
أقول هنا، اننا بحاجة الى فتح النوافذ في كل مناحي حياتنا، في السياسة، في الاقتصاد، في الثقافة، في حياتنا الاجتماعية، في حياتنا العائلية ..الخ، وبالتأكيد ليس هناك من جهة أكثر فتحاً للنوافذ من الاسلام، فرسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم، دعا المسلمين الى التفكير في كل شيء، الا في ذات الله، لأنه لا يوصل الى نتيجة لا ترجى منه فائدة، كما ان انفتاح القرآن العظيم وصل الى الحد الذي نقل حوارات بين ربنا عز وجل مع الشيطان الرجيم مما يدلل على المساحة الشاسعة للحرية التي خطها ديننا الحنيف والنوافذ غير المحدودة التي فتحها امام العقل الإنساني لاستيعاب التنوع في كل مجالات الحياة. المعادلة اذن نستطيع ان نكتبها على هذه الصورة:
نوافذ مفتوحة = حياة صحية سليمة
نوافذ مغلقة = حياة مرضية سقيمة

****

العراق بين الإسلام والعلمانية / د. عمـــــــــار وجيه

مخطئ من يظن أن العلمانية بتعريفها الشائع أو ممارساتها في الغرب يمكن أن تطبق في العراق .
فمنذ سقوط الدولة العثمانية لم نجن ِ من العلمانية المزعومة غير الاستبداد وغرس ثقافة الكراهية بين المكونات والطوائف، وعلى مدى ما يربو على نصف القرن، فضلاً على التهجير والتغيير الديموغرافي .
وإذا كان العراقيون قبل عقود سعداء بالموديلات التي اشتهرت في الستينات والسبعينات كالجارلستون، والمايكروجوب، والسوالف ( الزلوف )، والمايوهات على ضفاف الحبانية، والطاحونة الحمراء، وليالي الصالحية وأبو نواس، فليس ذلك أمراً نفتخر به، ولم يكن سوى غيمة أمطرت علينا البؤس والمشانق والحروب الخاسرة . ولعلي ما أزال أذكر اليافطة عندما كنت أزور إخواني في سجن أبي غريب عام 1971 وأرفع رأسي عالياً لأقرأ ذلك البيت الدمويَّ البشع)
لما سلكنا الدربَ كنا نعلمُ ..... أنّ المشانق للعقيدةِ سلـّمُ
وكنت وقتها أتساءل وأنا صغير: هل المشانق للحكـــام باعتبارهم مناضلين؟ أم هي لخصومهــم الذين أودعـــوهم السجـــون ؟!!
وعندما كنت أعود إلى داري بعد زيارة السجن، أرى الشباب والفتيات يتسكعن في متنزه الزوراء وباحات الجامعات، ولعلّ آباءهم وأمهاتهم وقتها في طابور البيض والدجاج لا يعبأون بالعلاقات الحميمة التي يمارسها أبناؤهم في الجامعة لأنّ همهم هو المعجون واللحم والبيض .
وفي المقابل كان ثمة ملفات خفية على الجمهور العربي في العراق، ومنها الحروب الطاحنة في كردستان، والكلّ فيها كان يركب رأسه، وغيرها من الإرهاصات لمشاريع قمع جديد للمعارضين من كرد وعرب وتركمان، ولا نزال لليوم ندفع من جرائها الثمن .
هذه بعض ثمرات العلمانية في أثوابها الثلاثة، الشيوعية، والقومية، والبعثية .. والحبل على الجرار .
ولعل المتشدقين الأفاكين يقولون اليوم: لقد جربنا الإسلاميين وفشلوا في الحكم، وأقول كذبتم كما كذب المستبدون في السابق واللاحق .
إذا كان الإسلام عندكم هو المليشيات الدموية فهذا ليس إسلاماً، وإذا كان المتطرفون الذباحون فهم كذلك، وإذا كانت أجندات دول الجوار التي أدخلت إلينا الحشيشة والزنا المبطن والعبث ببنات العراق اللاتي هنّ ضحايا للسياسيين المجرمين والمعممين الظالمين، فالإسلام من كل ذلك براء . وإذا كان الإسلام عندكم هو نهب المال العامّ وبناء العقارات في لندن فهذا ليس منه في شيء .
أما إذا كان الإسلام دعوة إلى الإعتصام بحبل الله المتين، ونشر الفضيلة وبر الوالدين والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ونشر الوعي والثقافة والعلم والحضارة، والجهاد في سبيل الله لتحرير الوطن من كل سلطان أجنبي، ورعاية المرأة والطفل والشاب، وإيجاد فرص العمل وتزويج الفتيات والأرامل، ونشر الأمن والخير والنور، فهذا هو إسلامنا . ولسنا بحاجة الى أن نمسح قبراً، أو نضرب أنفسنا برمح، أو ننحر عمر أو علياً ونرميهما في دجلة أو الفرات قرباناً لآلهة مزعومة كما يفعل أرباب الهوس الديني .
أقول لمدّعي العلمانية الجهال من أذناب الحكام المستبدين الذين عجزوا أن يبنوا لشعبهم مرافق صحية نظيفة على مدى ستين عاماً، وعجزوا عن المحافظة على وحدة إسعاف فوري أنموذجية واحدة أيضاً . أقول لهم كفى لغواً واستهتاراً . العراق بلد مسلم وشعبه مسلم، وهو وإن جار على نفسه، عائد إلى الله لا محالة . أليست مساجدنا ملئت نوراً أيام الحصار ؟ فلا بد للنور أن يعود . ولن يعود العراق إلى الازدهار إلا بالإسلام الوسطي الحضاري . قولوا ما شئتم فقد غابت شمسكم ولن تعود إلى العراق مرة أخرى .

****

ميزان الرجال / أ. بهاء الدين النقشبندي

الظلم غمط الحق كما هو في التعريف ، ولقد سمعنا عن انواع كثيرة من الظلم ورأيناها رأي العين في حياتنا وربما لم ننتبه الى بعض منها، ومثلها ما تتحدث عنه الآية الكريمة : {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }والجزء الاخير من الآية استفهام انكاري ينطوي على تهديد خطير يغيب عن بال الكثيرين، فالتسوية بين الناس في المقامات والتعامل مع المجتهد والخامل بالمقياس نفسه هو من باب الظلم ويضع صاحبه في خانة الظالمين (نعم الظالمين) الذين لا يهديهم الله تبارك وتعالى، وياله من موقع ووصف لاولئك الذين يسيئون التقدير ويتخبطون في التقويم والاحكام.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع صحابته كلاً في مكانه، فالبدريون لهم موقع متميز لا يدانيه موقع، دفع النبي الكريم ان يقول عنهم: (لعل الله اطلع الى اهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
والمهاجرون الأولون لهم موقع لا ينافسهم عليه غيرهم، وكذلك الانصار الذي يقول فيهم الحبيب صلى الله عليه وسلم: (لو سلك الناس شعباً وسلك الانصار شعباً لسلكت شعب الانصار).
وهكذا هي التصنيفات التي تضع كلاً في موقعه ولا تخلط بين المحسن والمسيء، والشجاع والجبان، والمجاهد والقاعد، و .. و ..الخ.
في اية مؤسسة اذا اختل ميزان تقويم الرجال اختلت المؤسسة وقد قيل: (اذا لم تعرف قيمة رجالك فأنت لا تعرف قيمة نفسك ولا تعرف قيمة مؤسستك وانت لا محالة آيل الى الخسران والتلاشي).
علينا ان نعرف قيمة الناس ولا نعاملهم بميزان واحد كمن يشتري بصلاً او عدساً، فهناك من الرجال من يستهويه الموقع والمنصب، ومنهم من لا يقيم له وزناً إلا كشروى نقير، هناك من الناس من يملأ الكرسي والموقع ومنهم من يملأه الكرسي ويغرقه ويضيعه بين ثناياه.
من الناس من يتهافت على الدنيا واهوائها ومناصبها تهافت الفراش على ضوء المصباح، وغيرهم من لا يشتريها بنواة تمرة.
منهم من يعليه الموقع ويشرفه ويضيف اليه، ومنهم من يشرف هو الموقع ويعليه ويضيف عليه، والفرق بين الاثنين شاسع البعد كبعد المشرقين.
اقول هنا : ان من لا يمتلك ميزاناً قويماً للرجال أولى به ان يجلس في بيته ولا يتورط بما لا يحسن، فيؤذي نفسه وقومه، فالعبث في تقويم الرجال كعبث الاطفال على موائد الكبار.

****

القائمة المفتوحة والساحة المفتوحة / د. عمار وجيه

لأنها التجربة الأولى فقد شكك بعضهم في نجاحها وتساءل آخرون عن ماهيّة القائمة المفتوحة ، ولكن وبعد أن تمّ الأمر وأوشكت أسماء الفائزين تظهر ، جاءت ردود الفعل اليوم تبدي ارتياحاً أكبر . في القائمة المفتوحة لا مناص من أن يروّج المرشّح لنفسه ويتحدث عن إنجازه في الحاضر والمستقبل ، ثم يطلب من الناس الولاء . ومع مرور الوقت وتكرر التجارب سوف يفهم الشعب أنه لا خيار له سوى اختيار الكفء لأنّ فرص نجاح المتسلقين الذين يأتون بالقوائم المغلقة سوف تضيق خصوصاً بعد أن تكون القائمة مفتوحة تماماً وليس نصف مفتوحة كما هو الحال اليوم .
 ليس هذا فحسب ، بل إن الأحزاب الضعيفة ستعمل على ضم الأقوياء إلى صفوفها ليحققوا لها التقدم ، في الوقت الذي ستظهر فيه قوة الأحزاب القوية القادرة على رفد الشعب بالمزيد من المرشحين الأكفاء . وهنا يتميز الحريص على تربية أفراده وتأهيلهم عن غيره ، وتمتاز الشجرة الطيبة عن الشجرة الخبيثة .
في انتخاباتنا اليوم ظهرت نتائج رفعت أقواماً هنا وخفضت آخرين هناك . والحق يقال إن بعضاً ممن رفعوا نالوا أكثر من استحقاقهم ، وآخرون أبعدوا عن المشهد لأسبابٍ فرضت عليهم . ولا يعني ما جرى أنه سيرسم الصورة النهائية للمشهد العراقي إذ لا تزال الاحتمالات مفتوحة . اليوم تسلّق من تسلّق ، لا بإنجاز على الأرض بل بموقف سياسي أو إعلامي ، أو استثمار فرصة أن يعرض نفسه بديلاً للآخر !! وما هو ببديل .
 فما حصل بالأمس من فتن ومحن أوجد فرصاً كبيرة لبعضهم كي يتسلل إلى المسرح السياسي . فحين يقال إن الأيام التي مرت كانت أيام احتلال وطائفية وخراب وسوء خدمات وفساد مالي وإداري وانقسام، وكان القائمون عليها هم الذين جاءوا على ظهور الدبابات ، ينبري من يدعي قدرته على التغيير ويضطر بعضهم الى التصديق خصوصاً بعد أن أصيب الشعب بالسآمة ولم يعد يصبر على قطف الثمار ، كما إنه لا قدرة للناس على التفريق بين الأقوال والأفعال إلا بعد حين .
وهنا أجدني مضطراً الى إيراد المثال كي تتضح الصورة . تذكرون جيداً ما حصل يوم 22/2 /2006 من مأساة على الشعب العراقي ، وكانت فترة انتقال بين حكومتين ، ماذا كان موقف الحكومة السابقة واللاحقة ؟ أليس موقف المتفرج ؟ أليس الشعب ظل يذبح حتى يوم 25/ 3/ 2008 ؟ ، وبدلاً من الإصلاح العاجل للموقف انهالت  وسائل الإعلام على من دافع عن الشعب وطالب بفرض حظر التجوال وطالب بمواقف حازمة لوقف القتل والتهجير  ، وتكالب عليهم المجرمون قتلاً ، وتداعت عليهم أجهزة الأمن اعتقالاً . وافاد المفلسون الراقدون في فنادق عمان ليبنوا لهم مجداً سياسياً زائفاً . واليوم يأتي من فشل في إيقاف المجازر ، ومن نزع ثوب الذئب ولبس ثوب الضأن ، ومن وقف موقف المتفرج أو هرب إلى أوربا ، ومن أخفى أبناءنا المفقودين ولم يكشف لنا عن مكانهم أو مصيرهم ، أو أولئك الذين لم نسمع منهم سوى الصراخ والعويل ، أو أولئك الذين تسببوا في ذبح الشعب على أسس عرقية أو طائفية ، يأتي هؤلاء جميعاً ليركبوا الموج ويروّجوا بضاعتهم في انتخابات مجالس المحافظات . ويحصلوا جميعاً على حصص ، قلّت أو كثرت .
والأدهى من ذلك أن الناس جميعاً تشتم المليشيات والمتطرفين ، وهؤلاء كان لهم فضل كبير وكبير جداً في صعود هذا التيار أو ذاك في بعض المحافظات . ولعلكم تستغربون من هذا الطرح . فنينوى التي أنّت من العنف واستشهد خيرة شبابها وضيّق على الآخرين فلم يعد أحدهم قادراً على الانفتاح على الجمهور كما كان يفعل في الماضي ، استثمر الآخرون فرصة غياب الأسود  ليظهروا على الساحة أبطالاً مخلـّصين ، وكان الفضل في ذلك لمروّجي الفوضى والعنف .
وأياً كانت النتائج ، ليعلم من تحمل المسؤولية اليوم  أن بانتظاره عملاً كبيراً ، فإبراز العضلات شيء ، والمصارعة شيء آخر ، وليعلم أولئك الذين يفيقون من النوم ضحىً ليحتسوا (الكابوتشينو) في فندق رويال أو كونراد أو بلازا ، أن عليهم اليوم واجبات ، فقد ولّى زمان النوم ، وليعلم أولئك (التفاكة) الذين يضربون (الجيلات) في الهواء وليس في صدور الأعداء ويتفاخرون بالجمسيات أن محافظاتهم اليوم بحاجة إلى تنمية وليس إلى فوضى وخيلاء . وليعلم المفتخرون بالقومية والعروبة ثم لم نسمع ولم نشهد لهم موقفاً واحداً لنصرة غزة ونصرة مسرى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ليعلم هؤلاء أن الشعارات بلا عمل لا تلبث أن تذهب أدراج الرياح .
أما نحن فقد تآلفنا وتوافقنا مع أنصارنا وعقدنا العزم على المضيّ قدماً في طريقنا فكانت لنا نجاحات باهرة في أكثر المحافظات التي اشتركنا فيها ، وكانت لنا كبوات في أخرى ، وما هي إلا استراحة مقاتل لا نلبث أن نزأر بعدها كما عوّدنا جمهورنا فالأرض أرضنا والحدباء لنا وأينما أمطرت سحائب الشام أو العراق فخراجها لنا .

 

 

 

****

سباق الانتخابات والروح الرياضية / أ. بهاء الدين النقشبندي
 
دائماً يضرب المثل بالروح الرياضية للتعبير عن التعامل الحضاري مع المنافسات أيّاً كانت: علمية أو فنية أو رياضية أو سياسية أو .. أو .. الخ، وربما تكون ثقافة القبول بالهزيمة أو الخسارة من أهم الثقافات التي تتحلى بها الشعوب المتقدمة، فالحياة نصر وهزيمة، وربح وخسارة، ولا يمكن أن تستمر على حال واحد أبداً لأن دوام الحال من المحال كما يقال، ولا دوام الا لوجه الله الكريم والثوابت والسنن الالهية التي سنها ربنا تبارك وتعالى لهذا الكون الفسيح.
كما تريد أن تفوز وتنتصر يجب عليك أن تتقبل أن تخسر وتنهزم أحياناً ليس في ذلك عيب أو خلل.
 في انتخابات مجالس المحافظات ستصعد قوى، وستنزل أخرى والمطلوب لنكون حضاريين ان لا يغتر الفائز بفوزه، بل يتعاون مع الآخرين لخدمة بلده وشعبه، وهذا هو الهدف والمقصد، فالفوز ليس مطلوباً لذاته، بقدر ما هو مطلوب ليكون باباً يلج منه الفائزون لتقديم الخدمة لأهلهم، وكذلك مطلوب من الخاسر أن يلتزم بقواعد اللعبة الديمقراطية ويستفيد من درس الخسارة ليعيد لملمة جهوده وصفه ويبدأ العمل من جديد وينظر الى المستقبل ليحقق شروط الفوز في الانتخابات المقبلة .
هذه هي المعادلة ببساطة ويسر، لا تعقيد فيها ولا تكلف ولا تستدعي الوقوف على الاطلال وندب الحظوظ، بل النهوض والعمل من جديد وما ذلك على صانعي الحياة بصعب أو عزيز المنال.

 

****

ماكو وكت / د. عمار وجيه

ميسور الحال يسهر مع أهله ليرقب التلفاز وهو (يكرّز) الحبّ الأبيض والفستق واللوز، والمتعفف يسهر على الحبّ الاحمر والشاي الأسود. أما اخوانكم الجنود المعلومون والمجهولون فإنهم يسهرون على حبّ (الكرط) لأنهم يعانون الحموضة التي يجلبها التوتر والزحام في الواجبات والأعمال قبيل الانتخابات.
وبرغم الحموضة في المعدة فإنّ القلب فرحان لأنّ الهمة ولأن الجهد لن يضيعا فالغاية نبيلة والتغيير مامول به.
لقد عوّدنا نوّابنا في البرلمان على نكران الذات وتغليب مصالح العباد على مصالحهم وعلى الانفاق في سبيل الله بجود وسخاء وهذا ما نشهد لهم به، وأملنا في المرشحين أن يحذوا حذوهم بل يتفوقوا عليهم (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون). وليتذكر كل مرشحٍ فاز أو لم يفز كم بذلت له جهود وأسهرت ليالٍ، وكم من الملايين سارت نحو الصناديق كي تنتخبه ممثلا حقيقياً عنهم.
أما أنتم يا جماهيرنا الصادقين الصابرين فأملنا بكم أن تنذروا الخميس والجمعة لنصرة قضيتكم. المطلوب من الجميع أن يتحركوا نحو أقاربهم واصدقائهم وابناء عشائرهم ويحضوهم على الانتخاب وسيأمنوهم على انتخاب كل صادق كفء أمين.
علينا جميعاً أن نمضي نحو الصناديق رجالاً وركباناً وعلى ضامر فالتصويت فرصة دونها الخسارة وأمانة تركها خيانة.
أقول لأخواني .. ماكو وكت .. الساعات والدقائق تتسارع والقلوب تخفق، والأكف تتضرع طالبة من الله النصر والرضوان، فشمّروا عن سواعدكم حتى اللحظة الأخيرة ولا تنسوا أن تستصحبوا معكم الأقارب والجيران عندما تمضون الى التصويت.
ولأخواتي أقول .. ماكو وكت .. تحدّثن عن انجازات اخوانكم في التوافق وتضحياتهم هم وحلفاؤهم بدلاً من الحديث عن الطبخ والنفخ. واستصحبن صديقاتكنّ بلا تردد ولا تأخر.
ولأبنائي أقول .. ماكو وكت .. استخدموا جميع الوسائل الحديثة للتواصل وأرسلوا دعاياتنا وأرقامنا وآليات التصويت الى جميع اصدقائكم وأبعثوا بتردد قناة بغداد وهو (11919 – 27500 – V) إلى من لم يشاهدها من قبل كي يتواصل معها في اليوم الأخير. ولا تنسوا جميع ترددات إذاعة دار السلام وكذا الفضائيات الاخرى الداعمة.
ولبناتي أقول .. ماكو وكت .. أنتنّ زهرات البستان .. علينا الجهد .. وعليكنّ العطرُ والورد .. ارسلن الى صديقاتكن رسائل الدعوة الى التصويت مع الورد والعبارات الرقيقة .. لعلنا نحتفل بيوم السعد .. وما ذلك على الله بعزيز.
ماكو وكت .. وكما تسارعون الى التوبة والى الصلاة .. سارعوا الى الانتخابات فهي طاعة واحتسبوها عند الله طاعة.
أحبابي .. توافقوا في بغداد وبابل وديالى وصلاح الدين .. وتحالفوا في الانبار .. وتحزّبوا مع الاسلاميين في نينوى والبصرة.
وتوكلوا على الله قبل الانتخاب وعند الانتخاب وبعد الانتخاب .. واحرثوا .. وتذكروا قوله تعالى (أفرأيتم ما تحرثون . أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون)؟.
اللهم انصر العراقيين بالحق وللحق.

****

خبز وانتخابات / أ. بهاء الدين برهان النقشبندي

مثلما تمتد الطوابير مسافات طويلة لأجل الحصول على رغيف خبز عندما يشح الخبز وهو ما شهدناه في دول كثيرة وآخرها ما حصل أثناء أزمة الخبز الأخيرة في مصر، رأينا كذلك هذه الطوابير تمتد لمثل تلك المسافات للإدلاء بالأصوات الانتخابية، وقد رأيناه فعلاً في انتخابات الرئاسة الأمريكية التي جاءت بأول رئيس من أصل أفريقي الى سدة الحكم في اكبر دولة في العالم، هذا هو فعل طوابير الانتخابات، وهذا هو سر قوتها وعنفوانها.
لقد شاهد العالم كله هذه الطوابير بالرغم من البرد القارص بل العاضّ (من عضّ يعضّ) فلم يكن البرد في الرابع من تشرين ثاني الماضي في بعض الولايات الأمريكية يقرص فقط، بل يعضّ عضاً حتى كان الثلج يغطي كثيراً من شوارع هذه الولايات.
انها اذن هي هي طوابير الخبز وطوابير الانتخابات كلاهما بنفس الطول وبنفس الأهمية والعنفوان ويبدو ان كليهما يرتبطان بمعنى الحياة والبقاء، فالخبز لا غنى عنه لديمومة الحياة البشرية الا اذا استثنينا حماقة ماري أنطوانيت زوجة لويس الرابع عشر التي وجهت شعبها الجائع في فرنسا لأكل الكعك لعدم وجود الخبز، فكان عاقبتها المقصلة التي أطاحت برأسها، إذا كان حال الناس مع الانتخابات في العالم المتحضر، كما وصفنا، فمعنى ذلك انها عندهم كالخبز سواءً سواءً تستأهل أن يقفوا في طوابيرها ساعات طويلة في ظروف مناخ قاسٍ لكي يدلي أحدهم بصوته لأن من يتخلف عن المشاركة في الانتخابات كمن يتخلى عن رغيف خبزه لا فرق بين هذا وذاك الا بسرعة النتيجة فذلك موت بطئ وهذا موت سريع وكلاهما موت وتعددت الأسباب والموت واحد – كما يقال.

****

خطاب مسؤول / د. عمــــــــار وجيه
 
أيّاً كانت دوافع أوباما في خطابه أول امس ، يبقى خطابه مركزاً ودقيقاً، وقد لفت انتباهي قوله: (ان استخدامنا المفرط للطاقة يقوّي أعداءنا) وهو قول ذكي يريد من خلاله إيصال رسالة واضحة الى الامريكان أنه بصدد ترشيد استخدام الطاقة، لكنه ربطها بالاعداء لأنها كلمة تخيف الامريكان وتحفزهم على العمل وتقنعهم على التنازل عن بعض مصالحهم، وهو لا شك، أولا وأخيراً، خطاب مسؤول من أوباما ومن يقف وراء أوباما، بل إحساس عميق بالخطر الداهم للولايات المتحدة إن لم تستدرك.
واليوم لن أدعكم تلطمون على أوباما، بل على الخطاب المسؤول ، وهو الذي يهمّنا جميعاً في العراق، وهو ما نفتقده في كثير من الخطابات السياسية لذوي المصالح او لاصحاب الدكاكين الصغيرة.
وحين نستعرض خلاصة الخطابات السياسية في العراق منذ الاحتلال وحتى اليوم نجد أنه لا خلاف بينهم في أهمية التحرر والوحدة والمصالحة والعدل والتنمية.
أما حين تترجم الخطابات الكلية الى خطابات جزئية وتصريحات عبر وسائل الاعلام فإن النبرة تختلف والمضمون يتغير.
وعلى سبيل المثال لا الحصر.. الهجمة الشرسة ضد الاستاذ إياد السامرائي مرشّح جبهة التوافق لرئاسة مجلس النواب . فلقد سمعنا وشهدنا مهاترات لا معنى لها، منها احتكار الحزب الاسلامي العراقي للمنصب او التخوف من هيمنة الحزب على المناصب السيادية او غير ذلك.
أقول في هذا المقام .. ان خطابنا مسؤول ومسؤول بمعنى الكلمة. فنحن أولاً حزب عريق واسع الامتداد وذو خبرة تتجاوز الخمسين عاماً، ولنا قيادة وكلمتنا واحدة ومواقفنا مسؤولة ونحن محاسبون عليها، ولدينا قدرة اكبر على الحوار والتفاهم مع الكتل السياسية الأخرى سعياً للوصول الى  شاطئ الأمان.
كما إنّ تحميل الاستاذ السامرائي المسؤولية هو تكليف وليس تشريفاً ، فمن الناس من يملأه المكان ومنهم من يملؤه المكان، ونحن أعرف بالصنف الذي نرشحه للمسؤولية.
حديثي هذا لا يعني أن أبخس الآخرين حقّهم ، لكني أفرّق تماماً بين مستويات المسؤولية ، فلئن أخطأ السامرائي فثمة من يحاسبه ، ولكن اذا أخطا المرشح المستقل فمن يُحاسبه؟ وان احتاج السامرائي الى مشاورين فان العشرات بين يديه، أما الآخرون فقد لا يجدون الكمّ ولا النوع . والأهم من ذلك كله أن الكتل الصغيرة والضعيفة والمستقلين لا يلبث مرشّحهم ان يقدم تنازلات للكتل القوية من المكوّنات الاخرى ، ويتحول الى مملئ، في حين ان مرشح التوافق مستندٌ الى قوة جبهته، وهي قوة للعراقيين جميعا باعتبار وجود  حالة التوافق والسعي والتوازن.
ثمّ ان جبهة التوافق تملك مشاريع وطنية مهمة في عام 2009 وجميعها تتعلق بمصلحة الشعب. فأيَّ المشرحين أقدرُ على إنجازها؟ القوي أم الضعيف؟
هذا هو الموقف المسؤول والخطاب المسؤول .. واذا كان الناس ينظرون الى شفاه اوباما عندما تتحرك ليحللوا أقواله ، فألاولى لهم ان يحرّكوا شفاههم وعقولهم لعلهم يصلون الى الموقف المسؤول والخطاب المسؤول.
أيها الاحباب .. التوافق موقف .. ومستقبل .. وعلامة مسجَّلة ومجرّبة وناجحة.. فاصطفوا حولها .. وأخبروا أهلكم وذويكم لانتخاب مرشحيها .. وهو منكم .موقفٌ نبيل ومسؤول ايضاً.

****

الكهرباء والانتخابات / أ. بهاء الدين النقشبندي

من الغريب ان كلمة (elect) التي تعني بالعربية (ينتخب) أو (انتخب) تمثل الجزء الأول من كلمة (electricity) أي الكهربائية، ومن الممكن أن نفهم صلة الربط الرمزية هذه بين الكهرباء والانتخابات من خلال حملات كثير من المرشحين لانتخابات مجالس المحافظات المقبلة، فالكثير منهم وعدوا بتقديم أفضل الخدمات للمواطنين وعلى رأس تلك الخدمات بالتأكيد هي الكهرباء التي أصبحت عقدة العراقيين منذ ما يقرب من عشرين عاماً قضى المواطن العراقي المسكين لياليها بين الشموع واللالات والفوانيس وكأنه يعيش في القرون الوسطى، وربما قرون ما قبل الميلاد.
المهم في الأمر ان هناك علاقة رمزية بين الكهرباء والانتخابات كما أوضحنا، ولكنني هنا أؤكد على علاقة أهم بين المصطلحين العتيدين فكلاهما على درجة عظمى من الأهمية ولا استغناء لأي إنسان عنهما، فالكهرباء هي التي تحرك عجلة الحياة وكذلك هي الانتخابات، فهي الوسيلة السليمة لعيش حياة حرّة صحيحة مبنية على اختيار الإنسان لمصيره من خلال صناديق الاقتراع، فالانتخابات هي قضية مصير، وموضوع حياة أو موت، إما حياة حرة، أو سيادة الظلم والفساد، ولا يمكن لأي عاقل إلا التوجه نحو الخيار الأول وإلا فالمصير دمار ماحق وفوضى ضاربة الإطناب.
وأضيف هنا ان الانتخابات هي كهرباء حياتنا التي تنير لنا طريق الحياة، لذلك علينا أن نولّيها اهتمامنا الأكبر ونحشد لها كل طاقاتنا ولا نترك أحداً من أهلنا ومعارفنا وأصدقائنا إلا ونحثه على المشاركة والتحشيد لها، فهي خطوتنا الأولى في التغيير نحو الأفضل الذي يبشر بحياة جديدة ملؤها الدفء والسعادة والخير والمحبة .

****

265 قائمة التضحيات / عزيز كامل

لا شيء أغلى من التضحية بالنفس فهو أعلى مراتب الجود ، كما إنه دليل صدق التوجه ، إذ لا يمكن لمن يبحث عن مصلحته الخاصة التضحية بنفسه وتقديمها عربون انتماء لهذا الوطن فهو ــ في الحقيقة ــ أدنى من هذه المستويات السامية ، وغاية عمل ذلك الشخص ضمان حياة مترفة ، وشهرة واسعة ومنصب يظل يفاخر فيه ليل نهار دون وجه حق .
التضحية فعل الرجال الصادقين ، لا يتقنها غيرهم، ويستسهلها ويراها حتى تحكم المرء في عمله واجبة لا مناص عنها ، فتراه يقدم روحه الغالية في ميزان الرجال رخيصة من اجل المبدأ الذي يؤمن به ، وهذا والحق يقال جزء أصيل من ديننا القيم وتعاليمه الربانية التي تعلمنا على الدوام، أن نضحي بأموالنا وأنفسنا من اجل دعوتنا وقضيتنا .
واليوم في زحمة التحضير لا نتخابات مجالس المحافظات ، ثمة قائمة تتميز بهذه الخصوصية ، إنها قائمة التضحيات والبذل والعطاء والفداء ، وهي قائمة الشهداء الذين لم يتوانوا للحظة عن بذل أرواحهم فداءً لدينهم ووطنهم ومن اجل تحريره واستقلاله .
هي قائمة التوافق 265 ، وافتحوا سجلها خلال السنوات الماضية ولننظر كم شهيداً قدمت ، قادة واتباع ، علماء وأناس بسطاء، دعاة وعوام ، رجالاً ونساءً ، إن العدد يتضاعف حيناً بعد آخر ليتخطي الآلاف ، حتى إن الدماء الطاهرة الزكية روت تراب محافظاتنا العزيزة فأثمرت جيلاً مباركاً يحمل الهم والأمانة ويكون ان شاء الله من الجديرين بها وبشرفها .
هي قائمة تبدأ من سيد شهداء التوافق ومهندسها العزي الشهيد ، وآل الهاشمي ، وعدنان اسكندر وعمر محمود الصيدلي و الحبيب جواد.. وآخرون لا يعرفهم الكثيرون ولكن لا بأس فالله عز وجل يعرفهم وسيجزيهم ان شاء تعالى خير الجزاء عن ما قدموه .
إن اردت أيها العراقي من قدم الدليل على صدقه ووفى بعهده الذي قطعه أمام الله أن يكون خير ممثل لأبناء شعبه .. إن أردت فهم أبطال التوافق .. رجال التضحيات ..
وهي قائمة قوافل الشهداء الماضية ، قوافل عرف أولها ولم اين يعرف آخرها، فالتضحية والبذل متواصل لم ينقطع ، وسجل المآثر والمفاخر مفتوح لم يغلق ، وكيف له أن يغلق وهو سجل امتداده من ألف واربعمائة سنة وسيبقى مفتوحاً حتى قيام الساعة.

****

بل التوافق .. والتوافقُ أولى /  د. عمار وجيه
 
مسكينٌ من يخدعُ نفسَه بان عواصف الاستبداد والاحتلالِ والطائفية لم تؤثر في مزاج العراقيين، وأنهم ما زالوا على قلبِ رجلٍ واحد.
نعم إنهم كانوا كذلك قبل ذلك.. لكنّ مكرَ الليل والنهار أصابَ العالمين بجروحٍ وقروح .. ستندمل يوماً بأذن الله .. ولكن بعد حين.
إذا كانت عقولنا تدرك والسنتنا تقول بأنّ وحدة الوطن لخير الجميع ، فإنّ القلوبَ تخفق بالخوف من الآخر والأفعال تناقض الاقوال .
وإزاء هذا الخوف وذلك الاضطراب يلوحُ في الأفق علاجٌ مرحلي لكنّه ضروري .. إنه التوافق.
ويومَ أعلنّا شعارنا الداعي (بالتوافق .. مستقبلنا آمن) .. استغربَ من استغرب .. وعاتب من عاتب . لكنّهم لم يدركوا بأنّ للتوافق آليات . وإلا فأخبروني .. هل العراق اليوم مهيأ لغير التوافق ؟ وهل بالامكان عقد التحالفات والائتلافات في ظل أجواءٍ تقتات على الشك والريبة؟ .. لا أظنّ ذلك.
وحين تمرّد من شركائنا من تمرّد .. فإنه وامثاله لم يدركوا عاقبة ذلك الانشقاق على ناخبيهم، لأنّ أحدهم لم ينظر الى أبعد من موضع قدمه ونسي أن ينظر الى ما هو أبعد.
أصرّو على الانشقاق والخروج على راية التوافق ، لكنهم لم يلحقوا الضرر بقناعة التوافق ونظرية التوافق ، لأنها ثقافة سرت وسوف تسري في عروق القوم تمهيداً لمرحلة جديدة من الانسجام والانصهار في البوتقة العراقية من جديد.
ولكي يتضح الامر اكثر ، أقول: انه ليس من المفيد أن نتحدّث عن تبادل الثقة وحسن الظنّ ما لم يمهّدوا لها بانجاز على الارض.. وأيّ إنجازٍ اكبر من أن يفهم المختلفون في توجهاتهم الفكرية والسياسية أن من مصلحتهم جميعاً أن يوجدوا الارضية ليطمئن الانسان العراقي؟ الذي هو وليس غيره من سيبني الوطن.
وأيّ فرصةٍ لبناء هذه الأرضية ما لم نؤسس للتوافق؟ وأي فرصةٍ لانسجام ما لم نضمن التوافق؟
نعم أقول واكرر (265) مرة .. التوافق .. والتوافق اولى.

**** 

صبح قريب / أ. بهاء الدين النقشبندي

اذا كان فوكوياما قد وضع نهاية للتأريخ في كتابه (نهاية التأريخ والرجل الأخير) فإن لؤي صبح – الطفل الفلسطيني الذي أصيب بالعمى نتيجة القصف الصهيوني والراقد حالياً في مستشفى الشفاء في غزة الجريحة – وضع حداً لهذه النهاية ولهذا الرجل الاخير.
فوكوياما كان يقول ان النظام الرأسمالي هو الذي سيطبع  نهاية العالم بطابعه الخاص وان الرجل الغربي هو الرجل الأخير الذي سوف يستنسخ عنه مئات الملايين من النسخ، ولكن ما فعله الصهاينة خلال الأيام الماضية عرّى هذا النظام، وسلط الضوء على كل سوآته، وأولها انحيازه للمجرمين القتله وجلده للضحايا الابرياء، وهذا خلق سفلة القوم وساقطيهم.
لقد هزمت ارادة لؤي وتصميمه عبر كلماته – التي تنطق الحجر- كل الآلة الحربية الصهيونية بكل طغيانها وهيلمانها.
ان شعباً ينجب اطفالاً بشموخ الجبال لا يمكن ان يموت كطائر الفينيق الذي يخرج من قلب النار الى روح الحياة وقمة الاصرار، واذا كانت عزيمة الاطفال بهذا الشكل فما بالك بعزيمة الرجال والنساء.
ما تزال دروس التأريخ تنبئنا ان الحياة استحقاق أصيل للشعوب الحية، وان الموت الذي يحصد ارواح الشهداء الابرار ليستحيي أن يكون نصيب أمة حية كأهلنا في غزة، وفلسطين، فلننتظر فالعاقبة للمتقين ، (ان موعدهم الصبح ، اليس الصبح بقريب؟!).

****

من القومية إلى الولايتية / د. عمـــــــــار وجيه

بعد أن أوشك يمرّ أسبوعان على معركة غزة ، وكاد عدد الشهداء يصل الألف ، لا بدّ أن تضع الحرب أوزارها وترتسمَ ملامح صورة جديدة لفلسطين . وقبل أن يفوت الأوان دعوني أقول كلمتي ، ليس في غزة وأهلها ، بل في الأمة العربية والإسلامية وأهلها . 
كان الناس يتصوّرون أن في الشرق الأوسط مشروعين ، المشروع العربي والمشروع الصهيوني كما روّج الإعلام عقوداً ، إلا  إن الحقيقة خلاف ذلك . ففي منطقتنا مشاريع شتّى ، مشروعٌ أمريكي يهدف الى السيطرة على منابع النفط ويحجّم الخطر القادم من الشرق إسلامياً كان أم صينياً أم  روسياً ، وقد تلقى هذا المشروع صفعةً في العراق وأفغانستان لربما تحدو به إلى مراجعة حساباته ، ومشروعٌ صهيونيٌ يسعى لتوسيع نفوذ دولة إسرائيل على حساب العرب والمسلمين ، وإنه اليوم يتخبّط بموجةٍ جديدة من الجنون والهوس ويتدحرج من شاهق ، ومشروعٌ إيرانيٌ يتلهف بشدّة لتعميم تجربة ولاية الفقيه وهو مشروعٌ طموح يعتاش على الفرص ، ومشروعٌ قوميٌ عربي أنهكه الاستبداد  ولعله اليومَ يلفظ أنفاسه الأخيرة خصوصاً بعد الفضيحة الأخيرة ، ومشروعٌ عربيٌ يتوهّم المزج بين الديمقراطية والتفاهم مع أمريكا وإسرائيل واسترضاء إسلاموية المجتمع وهو مشروعٌ يترنّح بين مدّ السلام وجزر الحرب ، ومشروعٌ إسلاميٌ حضاريٌ واعدٌ أسست قواعدهُ عام 1928 ورمته العرب عن قوسٍ واحدة ولا تزال ، لكنّه مستمرٌ في مدِ جذوره في أعماق القلوب والأرواح .
المشروع القومي العربي تغافل عن التلويحات الأمريكية التي محت كلمة الوطن العربي من السبورة السوداء وخطت بدلها وبالقلم العريض عبارة الشرق الأوسط ، وتجاهل أيضاً حجم التهديد الأمريكي لذلك الكيان الهش المؤلف من ثلاثٍ وعشرين دولة بين بعضها ما فعل الحدّاد . وكان ينبغي على النظام العربي الرسمي أن يمسح الدمعَ عن وجنتي غزّة ويصطف مع أبنائها البررة ليضمن مستقبلاً آمناً للأمتين العربية والإسلامية ، لكنهُ بدلاً من ذلك استمرَ في ابتلاع الطعم الأمريكي وخسرَ شعبهُ الى غير رجعة وتبرع بهِ الى الدول الإقليمية الأخرى .
نحن كإسلاميين نبارك الوقفة التركية التاريخية حكومةً وشعباً ، الموقف الذي يعيد إلى الأذهان بطولة الفاتح ومواقف عبد الحميد . لكننا نتألم من حال القوميين الذين وضعوا كلّ رهانهم مع حصان خاسر وهو حصان القومية الضيقة ثمّ صعق الجميع بتخاذل حملة الراية وتألق الأعاجم . ولو اقتصر الأمر على هذا الحال لهان الأمر ، فعلى الأقل تركيا دولة ديمقراطية تعافت شيئاً فشيئاً من طورانيتها واتجهت نحو الإنسانية وأحيت كرامتها من جديد . أما أن يسلّم النظام العربي قضيته إلى نظرية ولاية الفقيه التي أمسى اليوم أهلها يئنون من وطأتها وثيوقراطيتها ، فهذه هي المصيبة بعينها .
ولعل سائلاً يسأل كيف يسلَّم الأمر إلى هؤلاء ؟ أقول : لأن حكام العرب وللأسف  كانوا وما يزالون يصفعون المشروع الإسلاميّ الحضاري حتى تنامى غيره على حسابه ، وإلا فكيف يمكن تفسير الموقف المتخاذل من غزة ؟
مع ذلك فلا تحزنوا فالمشروع الرباني قادم .. وعلى عين الله .

****

غزّاويونَ قبل عصر النبوّة /  د. عمـــــار وجيه

عنْ أبي هُريْرة رضي اللَّهُ عنه قال : قال رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: " غزا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِياءِ صلواتُ اللَّه وسلامُهُ علَيهِمْ فَقَالَ لقوْمِهِ : لا يتْبعْني رَجُلٌ ملَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ. وَهُوَ يُرِيدُ أَن يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِها ، ولا أَحدٌ بنَى بيُوتاً لَمْ يرفَع سُقوفَهَا ، ولا أَحَدٌ اشْتَرى غَنَماً أَوْ خَلَفَاتٍ وهُو يَنْتَظرُ أوْلادَهَا . فَغزَا فَدنَا مِنَ الْقَرْيةِ صلاةَ الْعصْرِ أَوْ قَريباً مِنْ ذلكَ ، فَقَال للشَّمس : إِنَّكِ مَأمُورةٌ وأَنا مأمُورٌ ، اللهمَّ احْبسْهَا علَينا ، فَحُبستْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عليْهِ ... الحديث "  في هذا النبي الكريم وأمثاله نزلت آيات .. ولعلّ أبرزها قول الله تعالى :" وكأين من نبي قاتل معهُ ربّيّون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين " صحيحٌ أننا كلّما ضامنا الضيم لذنا بسيرة الحبيب عليه الصلاة والسلام وتذكرنا أيام البأس والشدّة ولاحَ لناظرينا مشهد العباس آخذاً بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينادي أين أصحاب السمرة . لكنّ قليلاً منا يتذكر جهاد أنبياء قبل عصر محمد صلّى الله عليه وسلم.
ونحن لسنا قادرين على احصاء الغزوات التي خاضوها مع أعداء الله ، لكن ومن خلال الكتاب والسنّة علمنا أنهم جاهدوا وانتصروا وأن شمس الله حبست عن المغيب ليتحقق لهم النصر ، فغروب الشمس سنّة !! ونصرُ الأنبياء فريضة ، والفرض أولى من السنّة . وما قيمةُ أن تتأخر شمسٌ عن سنتها الكونية ساعة من نهار ليتحقق النصر الإلهي الذي هو مقدمة للخلافة في الأرض والتي بمقتضاها يتحقق العدل وتنتصر الكرامة الإنسانية ويعمُّ الإيمان أرجاء البقعة المنصورة .  القضية هي القضية . أما الشخوص فيتغيّرون . مرةً .. نبيّ يقود ، وأخرى قائد من المسلمين . والربيّون هم الربّيّون . تارة ذو القرنين وأخرى عامر ابن الجراح وثالثة عبد العزيز الرنتيسي ، ويبقى الشأن صراعاً بين الحق الذي يطير بجناحي العدل والاحسان .. وبين الباطل الذي ينقضُّ على الأنامِ بجناحي الظلم والكفر .
اليوم تنحر غزّة كما نحرت بغداد في خمس سنوات خلت ، وينطق بالشهادة أبطال مرابطون كما نطق بها إخوانهم العراقيون ، وهؤلاء وأولئك سيكونون طيَ النسيان  ليبقى ذكر الملوك والزعماء وتتحدث الفضائيات عن حكومة عبّاس أو حكومة بشّار أو حكومة المالكي . وبعد أن تضع الحرب أوزارها ويستقر الحال لصالح هذا الطرف أو ذاك مؤقتاً لا يلبثُ الحقُ أن يتسلل كما الماء بين جنبات الصخور الصم لتلتقي الروافد على كتف نهر الحياة لتنبض في عروق الأرض مرة أخرى فتنبت الزرع وتملأ الضرع وتعمّ الأرض عدلاً وقسطاً بدماء الشهداء وجهاد العظماء ، لا بعويل الحكام المفسدين ، ولا قـِمار الأقزام الفاسدين .
وليست العبرة في أن تتحيز لحماس أو فتح ، لأنّ العبرة بالمسميات لا بالأسماء . لكن المهم هو من يحرر فلسطين؟ أصدقاء الماء الطاهر المطهـِّّر ؟ أم أرباب الخمر النجس المدنس ؟ .
أخيراً وليس آخراً .. غزة محفورة في الصخور القديمة ، إنها ملحمة مثـّل فصولها أنبياء وقديسون روّت دماؤهم أرض الشام وبلاد الرافدين وجزيرة العرب . وكما حبست الشمس من قبل فإنها اليوم ستحبس مرة أخرى لأن ربّ الشمس والقمر رقيب حسيب ، ونصره قريب . ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا  في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) .

****

حملة بنات شعيب / د. عمار وجيه
 
(فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ... ) كانت كثيرة الحياء .. خفيضة الصوت ..غضيضة الطرف .. لكنها لم تكن أمـّيـّة الثقافة .. بل فقيهة .. بثت حكمة ، خلـّدها القرآن .. ( إنّ خير من استأجرت القويّ الأمين) .
وكان القويّ الأمين .. موسى عليه السلام .. مكث عشراً في ديار آل شعيب ، ثم توجه إلى مصر ليستأنف المسيرة ، فناظر ونازل ، وأسرى وأنجى ، وأسس وبنى ، وحفز ونخى ، وصبر في سينا حتى قضى .. فمات فيها وليس في أم القرى .. ومضت أجيال وأجيال حتى فتح الله على يد طالوت ، ليكون داود ملكاً ... لكنّ موسى احتفظ بلقب (القوي الأمين) فهو الذي وضع اللبنة لداود .
ترى ما الذي قدّمه القويّ الأمين ؟ ولماذا نادت ابنة شعيب بحملتها الانتخابية لموسى قبل أن يأتي يوم النصر الموعود بمئات الأعوام ؟ وما الذي حققه موسى لشعبه ؟ والإجابة سؤال : ما مصير بني إسرائيل لو دام الفراعنة ؟ أليس هو الذلّ الدائم ؟ وهل كانت ستقوم لهم دولة إسلامية تحكم مئة عام وعشراً ؟ فقوة موسى أثمرت ولو بعد حين .
واليوم تسأل من جديد .. أين بنات شعيب لينادين بأعلى أصواتهن على القويّ الأمين ؟ .. أم زهدنا به ؟
عجيبٌ أمر قومي .. تدمـَرُ الفلوجة في زمن زعيم ينعتونه بالقويّ الأمين ثم يجددون له الانتخاب !! .. ويصغى لمن لا يحسن سوى الصراخ والعويل وشتم المصلحين ثم يروج له !! .. وليت قومي يعلمون ما يفعل هؤلاء وأمثالهم في دوائر المسؤولية .. سلوهم هل تابعوا يوماً شأناً من شؤون الناس ؟ هل راجعوا الدستور ؟ هل طالبوا بإطلاق المعتقلين ؟ هل تابعوا ملفاتهم ؟ هل تعهدوا أسر الشهداء والمفقودين ؟ هل أسهروا ليلهم في دراسة مشروع يخدم الشعب ؟ أم في الليالي ذوات الألوان والكؤوس والنارجيلة ؟
وعجيب أمر قومي أيضاً .. كيف يثق أحدهم بمن يستعلي أو يستثقل عن السجود لخالقه ؟ هل يُعدّ أميناً من خان الأمانة مع الله ؟ وهل يسمى قوياً من ضعف عن الطاعة واستمرأ المعاصي ؟
أم تقولون إن المستأمَنين خانوا ؟ كلا .. فالمسلم لا يخون . ولئن خان أحد فهــو كمن فرّ من جيش طالوت حين لاقى جالوت ، فهل فتّ في عضد القلة التي انتصرت على جالوت ؟ .. أليس هؤلاء هم الأقوياء ؟
ولئن نالنا زيد بطعن أو تجريح فأقول له : أخطأت كلّ الخطأ .. لأن العارفين يشهدون أمام الله تعالى أن قادتنا أسهروا ليلهم وأتعبوا صحبَهم ، وأهملوا حقوق أنفسهم ، وجفوا ذراريَهم .. وقدموا قربانهم لربهم شهداءَ ومفقودين وأسرى.. وخدموا اليتيم والأرملة والعزباء ، والسجين والغريب والعليل ، والمتعفف وطالب الحاجة ، وفتحوا أبوابهم ليل نهار ، وتلقوا آلاف المكالمات التي أصغوا فيها إلى مطالب الناس.
ومرة أخرى أقول .. عجيب أمر قومي كيف يثق أحدهم بمن لا يوثق به على حفظ الأمانة الشخصية ، كيف يوثق به على حفظ أمانة الأمة !! . أم إنّ قومي اعتمدوا مبدأ عدو عدوّي صديقي ؟ فلئن كان هذا هو المنطق ، فلنعلم أنه مهلكة لنا .
إنّ الأمانة يا قومي أن نقويّ القويّ وندعمه ليتمكن من إصلاح أخطائه وتحقيق أهدافه ، لا أن نتخلى عنه ونشهـّر به ، وإلا فمن يخسر هو نحن الجمهور لأن مزيداً من الأذى سيلحق بنا .
ولا يظننّ أحد بأن النصر بعيد ، لأننا خير أمة أخرجت للناس ، ولسنا كبني إسرائيل ، فلا نحتاج تيهاً ولا نحوه بل يكفينا أن ننهض من كبواتنا لنواصل المسير .
وأخيراً أقول .. طوبى لبنات شعيب القانتات السائحات .. اللاتي يطرقن أبواب الأقارب والجيران والأصدقاء ليهتفن جميعاً بنشيد خالد : ( إن خير من استأجرت القويّ الأمين ) .

****

درس آخر من تركيا / أ. بهاء الدين برهان النقشبندي
 
يختلف الناس في موضوع الشجاعة وتصنيفها ، هل الشجاع هو الذي يقتحم الاهوال ويخوض المفازات دون وجل أو تردد, أم هو ذلك الذي يقول الحق ولايخشى في الله لومة لائم، أو هو شخص ضحى بنفسه وماله في سبيل الله فلم يرجع منهما بشيء الا جنة الفردوس الاعلى ،أو..أو...الخ.
كل اولئك شجعان- بلا ريب- ولكن اشجع الشجعان انسان اعترف بخطئه وتحمل جريرة عمله.
أكبر الشجاعة ان تقول - عندما تخطىء- انني مخطىء في كذا وكذا وانا مستعد لتصحيح الخطأ وتقبل التبعات ،كما ان من الجبن الكبير ان يكابرالمسيء ولايعترف بإساءته، وأجبن الجبن أن ترمى الاخطاء على الآخرين وينسلت منها صاحبها بالوقاحة والصفاقة.
ماجرني للحديث هذا هو ماسمعته في وسائل الاعلام التركية ان هناك المئات من المثقفين الاتراك يجمعون التواقيع لاصدار اعتذار للشعب الارمني عما لحق به من أذى في نهاية عهد الدولة العثمانية،انه اذن منطق الاعتراف بالخطأ،منطق الانسان الشجاع المتحضر الذي لايكتفي بتصحيح اخطاء الحاضر ،بل يغوص في أعماق التاريخ ليصحح أخطاء الماضي ويقول ها أنا ذا مستعد لتحمل أخطائي وأخطاء أهلي وحتى أجدادي الذين لم أرهم.
لقدأعجبني كثيرا موقف الرئيس التركي عبدالله غول عندما سئل عن هذا الموضوع فأجاب :(بأنه نوع من أنواع حرية التعبير عن الرأي)، وهذا بالرغم من حساسية القضية الارمنية في الرأي العام التركي.
هؤلاء هم الشجعان الحقيقيون-في رأيي- الذين يصنعون الحياة ابتداءً من اصلاح الماضي مرورا بالحاضر واستشرافا للمستقبل.
أقول هذا وأنا لاأعرف هل أن مايدعى بمجزرة الارمن حقيقة أم وهم مصطنع، ولكن المهم هو هذا المنهج في التعامل مع الحياة بإيجابية.
قرائي الأحبة
منهج الإعتراف بالإخطاء وتحمل نتائجها منهج إسلامي أصيل قبل أن يصنف في أية خانة أخرى ،واذا شئتم فافتحوا أبواب الاستغفار في القرآن والسنة وستجدون منهجا رصينا عظيما لايرقى اليه أي منهج آخر.
إسمعوا الى الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول لعبدالله بن أم مكتوم:(أهلا بمن عاتبني فيه ربي)، لله درك يارسول الله هل بعد منهجك في الاعتراف بالخطأ وتصحيحه منهج آخر؟ ..

****

سوداوان وأسود وسواد /   د. عمــــــــار وجيه

قطعاً سماه أبوه (منتظر) تيمناً بالمهدي المنتظر، لكنه كان على موعد منتظر تجرّأ فيه على قذف السيادة الأمريكية بقاصفتين سوداوين صنعتا من جلد وليس من حديد .
ولئن أصاب أو أخطأ ،  أو كان فعله عفويا أو مخططاً ، مجانياً أو مدفوع الثمن ، يبقى عملا جريئاً، مجلجلاً ، استطاع فيه وفي غضون عشر ثواني أن يصنع رأياً عاماً عراقياً وعربياً وإسلامياً وغربياً حتى غطى ذلك الحدث أحداث يومي الأحد والاثنين الماضيين.
لقد كتبت عنه ألوف الصحف والمواقع والفت وأنشدت لحذائيه القصائد وانفتحت شهية المناوئين للسياسة الأمريكية في جميع أنحاء العالم ، بل لعل الديمقراطيين كانت لهم مما حصل ابتسامة زهوٍ وغرور وشماتة .وكما يقول عادل إمام في مسرحيته( الرجّالة تضرب والنسوان تضرب).
 ما يهمني ليس هذا وإنما أن أقف وإياكم وقفة إجلال وإنصاف للمنتظرين الأوائل الذين سبقوا منتظراً الأخير بلغات احتجاج شتى .  فمنهم من كتب بلغة الدم والنار وسطر أول حرف له منذ أن وطأت أقدام الغزاة أرض العراق الطاهرة ، ومنهم من كتب بلغة القلم والحنجرة أو لغة الإغاثة الإنسانية والموقف النبيل لكل مظلوم هجر أو بيت أحرق أو هدم أو شريف عاش سنين بين القضبان ، ومنهم من حرّم على نفسه وأولاده (جكليته ) من الاحتلال .
 مضت الأيام والسنون والآلاف من هولاء يقدّمون أرواحاً ودماءً للقضية ليبقى الوطن ويتحرر الوطن.
وبدلاً من تنصفهم الحكومات المتعقبات ، انهالت عليهم هي والكثير من السياسيين بالشتيمة والدعاية المضادة والحرب الضروس . فما بين اتهامهم بالصدامية والإرهاب، أو دس الجواسيس والمخربين أوتمويل المجرمين والمتطرفين لتشويه سمعتهم بقتل الأبرياء وتفخيخ الممتلكات، ومابين صمت المرجعية عن قول الحق بزعم الحفاظ على الطائفة وتوحيدها ، فلا حفظت الطائفة ولا وحّد الوطن ولا بقيت في العراق القيم ، مابين كل هذه المعاناة عاش الصادقون حياة صعبة ، هذا إن سلموا من تثقيب المثاقب وكيّ الكاويات . ولعل الشيخ الشهيد بشير الجوراني الذي فاضت روحه إلى الله قريبا بعد تعذيب مبرح في مركز من مراكز الشرطة احد هولاء النماذج المظلومة.
 ولئن نجح منتظر في تسليط الكاميرات على فعله المدوي ، فان المنتظرين الأوائل أعيتهم السبل وتجاهلتهم الصور بل شنت عليهم وسائل الإعلام حرباً لا هوادة فيها ، ولو أنها سكتت من غير مدح ولا قدح لوسعها السكوت لأنه اقل مراتب إنكار المنكر . ولكن للأسف فقد اقتيد الرجال الأفذاذ إلى شاشات القنوات الرسمية ليعرضوا في برنامج الإرهاب في قبضة العدالة كما عرض اسم الشهيد الشيخ عبد العزيز البدري عام 1969م مع أسماء الجواسيس والخونة حاشاه من ذلك.
 منتظر نجح في إلقاء حذائين سوداوين، لكن المجرمين نجحوا في تعليق مئات الآلاف من اللافتات السود في كل بيت وفي زقاق . والفرق أن قلب منتظر ابيض وقلوب أولئك اتشحت بالسواد.
وإذا كان ، ومن حقه أن يتألق نجم منتظر ، فان في العراق من سبق منتظر ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينظر) .

****

القضية تصنع المهنية /  أ. بهاء الدين النقشبندي

في علم الادارة مبدأ حاكم يقول: (ضع الرجل المناسب في المكان المناسب) واضيف هنا دون تردد فأقول: (ضع الرجل المناسب في المكان المناسب وفي الوقت المناسب)، فقد يكون شخص ما مناسباً لموقع ما في مكان ما وقد يكون آخر صالحاً في وقت الاستقرار وسيادة القانون ودولة المؤسسات، لكنه لا يناسب هذا الموقع في هذا المكان في وقت آخر تسود فيه الفوضى وغياب القانون ودولة المؤسسات ومن له خبرة في الأدارة وممارس لها لوقت طويل يعرف ذلك جيداً ، لقد رأينا ونحن طلبة على مقاعد الدراسة في الجامعة اساتذة يمتلكون علماً غزيراً لكنهم لا يصلحون لموقع الاستاذ ولا قدرة لهم على ايصال المعلومة للطالب وبعكسهم هناك اساتذة متواضعو الامكانية العلمية، لكنهم مدرسون جيدون، نسمع اليوم كثيراً من الكلام عن مصطلح (المهنية) واهميته في بناء الدولة العراقية الجديدة، وهو كلام صحيح ولكن ليس على الاطلاق لأنه من غير الصحيح ان تصنع عالماً بالطب مثلاً على رأس وزارة الصحة اذا لم يكن قادراً على الادارة لأن العالم مكانه في مختبرات العلم وقاعات الدرس وليس مواقع الادارة وهناك استثناءات في هذا - كما نعلم-.
في علم الادارة كذلك يوجد ما يسمى بإدارة الأزمة ففي أوقات الأزمات يجب اختيار اشخاص ذوي مواصفات خاصة للتعامل مع الظروف الصعبة لأن ليس كل أحد مهما كان على درجة عالية من المهنية- مؤهلا لمثل هذه الحالات ولا يصلح للأزمة إلا من كان ذا ارادة فولاذية وتصميم قوي وهذا لا يتوفر في فرد إلا اذا كان (صاحب قضية) يعيش من اجلها ويموت من أجلها.
لا احد يجادل في ان وضعنا الحالي هو وضع أزمة ولذلك لا يناسبه إلا بائع لنفسه في سبيل الله ثم في سبيل اهله ووطنه لكنه يجب ان يمتلك الحد الادنى من المهنية فلا يمكن ان تدفع مهندسا لادارة مؤسسة صحية او طبيباً لادارة مؤسسة هندسية.
يروي الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله: أتحسن السريانية؟ فأجاب : لا، قال: فتعلمها، يقول : فتعلمتها في سبعة عشر يوماً.
كيف يمكن لأنسان ان يتعلم لغة جديدة بمثل هذه السرعة؟ الجواب هو أن قوة الدافع والايمان بالقضية هو الرد الواضح على هذا السؤال فالأيمان بالقضية يصنع المهنية ويصنع المعجزات .

****

حكم الشعب /  د. عمار وجيـــــــــــه

أثارَ أمر الاستفتاء تساؤلات كثيرة من القاصي والداني عن مشروعية استفتاء الشعب . وهل هو حكمٌ يحلّ حراماً أو يحرّم حلالاً ؟ وهل الشعب مصدر للتشريع ؟ فوجدت من المفيد أن أحوم حول الموضوع في حدود علمي المتواضع وأدع الباقي لذوي الاختصاص . دعوني أذكّركم بأن العلماء المعاصرين قد صالوا وجالوا في موقف الإسلام من الديمقراطية وبيّنوا المساحات التي يمكن للناس أن يبدوا آراءهم فيها أو يحملوا وليّ الأمر على النزول عند رأيهم . والأمثلة كثيرة في ذلك .  كما يمكن القول بأن الديمقراطية تعمل في ساحات ثلاث . ففي ساحة الدول الوثنية أو اللادينية أصبحت الديمقراطية عندهم وإلى حد كبير كالشريعة . أما في ساحة الدول التي يعتنق أبناؤها الديانات السماوية كالمسيحية واليهودية فإنها أحياناً وربما نادراً، تصطدم مع تعاليم تلك الديانات - برغم وهن الالتزام بالدين عندهم - فتضطر البرلمانات إلى أن تستطلع آراء رجال الدين وتقلـّب الأمور حتى تصدر تشريعات لصالح هذا الطرف أو ذاك . وكلنا يذكر يوم أجازت الكنيسة البريطانية الزواج المثلي عام 1984، أي بمعنى أن الكنيسة هزمت أمام الديمقراطية !! . أما اليهود فحالهم تختلف عن المسيحيين لأنهم أكثر التصاقاً بتعاليمهم التوراتية والتلمودية وهو ما يفسّر الصراع المتكرر بين اليمين المتشدد وبين التيارات الليبرالية في إسرائيل، ويفسر أيضاً نسبة الأولاد غير الشرعيين في إسرائيل اليهودية والتي لا تتجاوز 1%، في حين أن نسبتهم في السويد التي يفترض بها أن تعتنق الديانة المسيحية هي 53 % مما يؤشر بوضوح مدى تأثير الديانة اليهودية على شعب إسرائيل مقارنة بأوربا المسيحية .   الأمر في البلدان الإسلامية يختلف جذرياً لأنه لم تستطع أية حكومة علمانية ومنذ سقوط الدولة العثمانية أن تنكر الاعتراف بأن الإسلام هو دين الدولة الرسمي حتى أن البرلمان العراقي بعد الاحتلال لم يملك إلا أن يثبت أحقية الثوابت الإسلامية في ظل وجود نظام ديمقراطي تعددي.  كما إنّ مجالات الاستفتاء الشعبي في الإسلام غير مجالات النص الشرعي، فلا اجتهاد في مورد النص، ولا يحقّ لأحد أن يعترض على الميراث أو تعدد الزوجات من حيث الأصل . وفي ما يخص الاستفتاء الشعبي فإنه لا ينقض حكما ً ثابتاً بل يدور في مدارات المصالح والمفاسد. وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استشار المهاجرين والأنصار في قتال المشركين في بدر، واستفتى سادة الأنصار في أن يعطي الأحزاب ثلث ثمار المدينة مقابل الانسحاب، وسمح للحباب بن المنذر في أن يشير عليه في شأن آبار بدر وأخذ برأيه، وقال لأصحابه أنتم أعلم بأمور دنياكم حين تعلق الأمر بتلقيح النخل وهو مما لا يتعلق بشؤون العبادة المحضة، والشواهد كثيرة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستطلع آراء الناس ويأخذ بالصالح منها .
 ثم هل نسينا استفتاء سيدنا موسى عليه السلام لبني إسرائيل ودعوته لهم في أن يدخلوا الأرض المقدسة ؟ لكنهم جبنوا وكانت عاقبتهم التيه أربعين عاماً . ونحن اليوم عندما نستفتي الشعب العراقي في شان الاتفاقية فإننا لا نسألهم عن حكم الشرع في الاتفاق مع المحتل لأن أصل الاتفاق قد أفتى به كبار علمائنا الأجلاء أمثال العلامة الدكتور عبد الكريم زيدان وأجازه إذا كان يؤول إلى انسحاب مضمون ويعيد السيادة واللحمة العراقية . إنما نستفتي جماهيرنا في أي الطرق نسلك كي نعيد السيادة، كمن يسأل الناس عن الطريق الأفضل إلى الحج، أهو الطريق البري أم الجوي ؟، فطريق الجو أقصر وأخطر، وطريق البرّ أطول وأكثر أمناً.
 إننا اليوم لا نشك في وطنية العراقيين، لا أولئك الذين اقتنعوا بالعمل السياسي ولا الذين قاطعوه، ولكل أجره إذا أصاب أو أخطأ وهو يتحرى الصواب، وعليه وزره إذا تعمد الإساءة . لكننا نقول : إن من يرفض الاتفاقية وهو ينوي الضغط على المحتل بإيمانٍ راسخ وتخطيط دقيق وإعدادٍ للقوة فله الحق في ذلك، ومن يوافق على الاتفاق ويضع المزيد من الشروط ومنها وثيقة الإصلاح السياسي وغيرها من الضمانات ويسلك السبل المشروعة ليقرّب ساعة الفرج كما يترجح عنده فله الحق أيضاً ما دام كلا الفريقين متفقين على تحرير العراق وإعادة سيادته، وما دام كلاهما لا يتراشقان التهم جزافاً ولا يتسافكان الدم المعصوم .  يبقى المأزور من هذا الفريق او ذاك من يلعب بالكبريت ويراهق ويترنح ويجامل المحتل أو دول الجوار لأجل مصلحة ضيّقة تافهة، أو يفتي بقناعته اتباعاً للهوى أو استقطاباً للأضواء أو استرضاءً للناس، فهذا هو الذي يجب أن يلام ويمنع من التصرف بمقدرات الأمة أياً كان توجهه أو طائفته .   الاستفتاء مكسبٌ بأيديكم فاحتكروه للشعب العراقي ولا تسمحوا للأجنبي أو الغريب أن يستخدمه ورقة ضدكم ليحقق مصالحه، وعليكم أن تقرأوا الاتفاقية بنداً بنداً وتسترشدوا بآراء الخبراء، وعلى الخبراء أن يصدقوكم القول ولا يكتموا العلم عنكم لأن كاتم العلم ملعونٌ في القرآن ..
وأخيراً دعوني أسأل علماء الشرع والقانون سؤالاً مهماً فأقول: أما آن لكم وقد مضى علينا خمس سنوات من التغيير أن تشرحوا للناس في المساجد والمجالس ووسائل الإعلام عمّا يجوز ولا يجوز من تطبيقات النظام الديمقراطي كي يتبصر الشعب ولا تبقى هذه المعلومات مخزونة في الكتب والبحوث والدراسات ؟ .

****

زوايا النظر/  أ. بهاء الدين النقشبندي

تعلمنا في دروس الفيزياء ان هناك زوايا متعددة للنظر الى الاشياء تتعدد معها مساحات الرؤية وانواعها، فمن ينظر من زاوية حادة ضيقة، يرى الدنيا خانقة صغيرة ضيقة كثقب إبرة ، ولا يرى الا جزءاً يسيراً من الصورة ، على العكس ممن ينظر من زاوية منفرجة واسعة فيرى الدنيا كبيرة فسيحة جميلة تفيض نشاطاً وتفاؤلاً ويطلع من الصورة على اكبر جزء منها، وربما عليها كلها، وقد تعلمنا كذلك زوايا انعكاس وانكسار الضوء وتأثيرها في الرؤية ، ومن اراد التذوق الامثل لجمال المشهد كان عليه ان يلتزم بالنظر اليها من زوايا محددة صحيحة، وبعكس ذلك يراه مشوهاً بائساً .
الصورة تبقى هي الصورة ولكن الخطأ في الناظر والذنب منه وليس منها:
نعيب زماننا والعيب فينا       وما لزماننا عيب سوانا
حياتنا كلها صور ومشاهد، وينطبق فيها ما ينطبق على الاشياء في علم الفيزياء، فقوانين الحياة ثابتة لا تقبل جدالا او مراءاً، واذا تجاوزها المرء فانه واقع تحت الطائلة -لا محالة-.
من الناس من يلومك لانك فعلت كذا ولم تفعل كذا، ولو رجع الى نفسه ودقق موقعه وزاوية رؤيته لوجد نفسه واقفاً في المكان الخطأ ووجد الزاوية غير صالحة للرؤية لذلك تبدو له الصورة بمثل ما يراها من السوء:
داؤك فيك وما تبصر        وعيبك منك ولا تشعر
في مجال السياسة وخصوصاً في المشهد العراقي اليومي الذي يضج بالمتناقضات والمزايدات، يقف الكثيرون في المواقع الموهوم ويستعمل آخرون المنظار الخطأ غير المناسب لذلك تأتي احكامهم كأهل الكهف عندما بعثوا من نومهم بعد (309) سنين فأرسلوا احدهم ليبتاع لهم طعاماً من سوق المدينة بعملة قديمة ترجع الى ما قبل هذه السنوات الطوال (َابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ). سورة الكهف.
ان بعض السياسيين وبعض من يتكلمون بالسياسة والمزايدين الذين شهدناهم خلال حقبة الاتفاقية - اذا جاز التعبير- انما يتكلمون خارج نطاق الواقع والمنطق، كاهل الكهف، واذا كان اهل الكهف معذورون لأن ما حدث ليس بارادتهم، فما بال هؤلاء الذين ذكرناهم يحرثون في البحر ويضربون في الهواء، واذا كنا لا نلقط المكالمة الهاتفية عندما يكون الموبايل خارج نطاق الخدمة، فهل نصل الى الحقيقة عندما نكون خارج نطاق الواقع والمنطق والعقل ؟!! .

****

قطار الراحلين /  د. عمــــار وجيه

طارق عزيز .. علي حسن المجيد .. طه ياسين رمضان .. صدام حسين .. قطار مضى وأصبح في طي النسيان ، إلا من ذكرى ..! غازي الياور .. صنكول جابوك .. نصير الجادرجي .. ليث كبة .. سلامة الخفاجي .. وآخرون .. قطار أتى ثم مضى إلى تقاعد أو انكفاء أو العمل في خفاء .. ومضى معه البريق ..
 أما قطار اليوم فإنه يحمل الأسماء التي تعرفونها .. الأسماء التي ترعد وتزبد .. أو تقضي بالحق .. أو تتعامل بالحكمة .. أو تبطش بالحق أو بالباطل ... وسيمضون جميعاً لتبقى الذكرى . فإما أن يقال : رحم الله والديهم ، أو الأخرى . وهذه سنة كما قال حبيبنا المصطفى عليه الصلاة والسلام : ( ما لي وللدنيا ، ما أنا إلا كراكب استظلّ بظل شجرة ثم قام وتركها).
 وانظروا إلى مشاهد اليوم . اليوم يشتم العراقيون الحاكم المدني ( بريمر ) صباح مساء أن ترك لنا حكومة عرجاء ودستوراً فرضه على الناس بحدّ السيف وبمنطق الهوى الذي وافق هوى أهل الهوى . حتى ندم اليوم من ندم وأضحى يطالب بتعديله كما طالبنا من أول يوم لأننا نظرنا إلى مصلحة الناس وسبل تجميعهم لا إلى غير ذلك من المصالح الزائلة . اليوم يشعر العراقيون حقاً بخطيئتهم عندما نادى بعضهم بالفصل الطائفي. ما الذي حصل ؟ هل الشيعة والكرد اليوم سعداء لأنهم حازوا الأموال والمناصب والوظائف؟ ربما يقول بعضهم نعم . وأقول : لا . لأن الجميع اليوم خائف . ما بين خائف على مكسب قد يفقده أو خائف من حدوث المزيد من الخسائر . وكما يقال : ( يا فرحة ما تمّت ) . فالجنوب يتصارع وكركوك بركان وبغداد في هدوء حذر . فهل سعد الناس بالطائفية أم تراجع الكثير منهم باتجاه الوحدة الوطنية . وإلا فبماذا نفسر الاستطلاع الذي أجرته جمعية الأمل على 24 ألفاً من العراقيين المتعففين ، والذي انتهى إلى أن شعبية الأحزاب الدينية انخفضت إلى 22% ، والأحزاب القومية إلى 6.5% ، في حين ارتفع رصيد الأحزاب الديمقراطية إلى 33% . أليس ذلك نتيجة طبيعية للتعاطي السيئ مع مفهوم الدين والقومية حتى استجار الناس بالديمقراطية وهم لما يتفهمونها حق التفهم ؟
 وفي ظل هذه الفوضى تتسارع خطوات الحزب الحاكم نحو المركزية المفرطة بزعم أنها الحل لكلّ المعاضل . فالحكومة التي حققت نجاحاً وبضوء أخضر أمريكي في تحجيم العنف في البصرة وبغداد تطالب اليوم باستحقاقاتها ، وكأنه النصر المظفر . في حين أن الإنصاف أن نطالب نحن بتفسير التقصير المتراكم منذ حكومة الجعفري وحتى 25/3/2008 .
لماذا تركت الداخلية تستخدم المثاقب ؟ ولماذا سفكت الدماء وهجر الأبرياء وفقد عشرات الألوف ؟ وأين نتائج تحقيقات ملجأ الجادرية والسجون الأخرى ؟ ومن الذي قتل عامر الهاشمي ؟ وما مصير الضباط الإيرانيين المتورطين بترويج العنف وتصدير الكوكائين ( كيس الملح !!! ) ؟ وما مصير موظفي التعليم العالي ومكاتب الحاسبات وشهداء المدائن في علوة جميلة ؟ ومن الذي أحرق سوق جميلة والبنك المركزي وسوق بغداد الجديدة ؟ ولماذا هجر خمسة عشر ألف عائلة من الحرية وبضعة ألوف من الوشاش ؟ وغيرها من الملفات التي ستفتح يوما ما لا محالة ، وإذا عجز الآباء فالأبناء سيفعلون .. واعمل ما شئت كما تدين تدان . وإذا أرادت الحكومة طيّ صفحات الماضي والشروع بصفحة تسامح جديدة فلا بأس . ولكن ما الثمن ؟ هل الثمن في التلويح بسحب ولاء بعض القبائل العربية في كركوك لتهتف باسم الحكومة تحت عنوان عدو عدوّي صديقي ؟ أم الثمن هو التمدد المركزي المتجاوز للدستور ؟  إن الدولة تملك المال والسلاح والسلطة والدعمَين الأمريكي والإيراني واللعب على تناقضات الكتل السياسية ، ولكن هل يسوّغ كلّ ذلك أن تتجاوز الدولة على الشرع والقانون والأخلاقيات التي تمثل خطوطاً حمرا، ومن ثمّ نعود إلى عصور الاستبداد من جديد ، ولكن هذه المرة بلا سيادة ؟ فما الذي جنينا من التغيير إذاً ؟  إنّ المراقب للأداء السياسي اليوم وللإعلام الحكومي يلاحظ وبوضوح رواج لغة الابتزاز للآخر والضغط عليه بلا رحمة . ونحن في كل مرة ندعو القائمين على الأمر أن يتقوا الله في الناس ولا يعوّلوا على امتلاكهم القوة ومسكهم الأرض كما فعل من كان قبلهم فلا نفعته ملاجئه ولا حرسه الخاص . التعويل بعد الله لا يكون إلا على الشعب . والعدل أساس الملك . وكما مضى قطار الراحلين فإنّ قطارنا ماضٍ ، ويومئذٍ لا تنفع الندامة .

****

الشيطان واعظاً !! /  أ. بهاء الدين النقشبندي

في زمن اختلال الموازين، وغياب الحق، وسيادة الباطل، وغفلة الجماهير، وهمّة الجهلة، وتقاعس المؤمنين والمخلصين، تسود الحيرة وينقلب الباطل حقا، والحق باطلا، وتختلط المفاهيم، حتى لا تكاد تميز صوابا من خطأ وخطأً من صواب، وفي ظل هذه الزحمة والهرج يظهر الشيطان مرتديا لباس الواعظين الصالحين الذين يريدون الخير للبشرية، ويذرفون الدموع على آلامها واحزانها، حتى تراه اكثر الذارفين دموعا واشد الحزينين اكتئابا، ولكنه يجب ألا يغيب عن بالنا أنه هو نفسه الشيطان الذي يأمر بالفحشاء والمنكر، ويدعو الى الرذيلة والمعصية، ربما يأتي يوم ليأمرنا بتقوى الله ومحبته والتزام اوامره واجتناب نواهيه، فعلينا ان نحذر حتى ونحن نسمع كلاما طيبا ومظهرا ايمانيا ، وعلينا ان نردد قول الله تعالى في سورة ابراهيم: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ابراهيم 21.
هذا هو مشهد يوم الحساب الذي يتخلى فيه الشيطان عن اؤلئك الذين اتبعوه ، ويدعوهم الى لوم انفسهم لأنهم اتبعوه لا الى لومه هو، لأنه لم يجبرهم على الظلم، وما فعله هو انه دعاهم فقط فهرعوا الى الاستجابة له من دون نظر او تفكير او تمحيص، وكانت النتيجة السقوط في الهاوية.
في ايامنا هذه يتكرر مشهد الشيطان الواعظ يوميا ونراه على شاشات الفضائيات بأحلى صورته واذا اردنا النجاة بأهلنا ووطننا فعلينا ألا ننسى انه هو هو الشيطان، وانه لا يمكن ان يأمر بالمعروف او ينهى عن المنكر الا تضليلا للعباد وتدميرا للبلاد .

****

ما وراء الخبر .. /  د. عمــــار وجيه

إذا العضوُ لم يؤلمك إلا قطعتهُ   
                                                على مضضٍ لم تبقٍ لحماً ولا دما

هكذا قال قديماً شاعرنا لمن ضاقت عليه الأرض بما رحُبت وسئم الآكلة وناشد طبيبهُ .. أن ابتر إصبعي فلم يعد في قوس الصبر منزع . وكم من الآباء والأمهات يرغب في قطع نسله بدعائه على ولدٍ عاقّ ، ولكن ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم) .وكم من عراقيّ دعا على نفسه بالويل والثبور قبل التاسع من نيسان أو سجد شكراً لمجرد أنه نجا من صدام واستقبل الأمريكان وإيران والشيطان . وشعار الناس يومئذٍ : ( بس نخلص ) !! ولا ألومهم لأن الغريق يتشبث بالقشّة.
مضى صدام .. وجاءت بعده جنودٌ تترى .. فما الذي حصل ؟ اليوم .. مرةً أخرى يقول العراقيون: (بس نخلص). فالكرديّ يقول: لا عاصم اليوم لنا من المؤامرات العربية غير العم سام. والشيعي بين نارين.. نار أمريكا ونار إيران ، وهو محتار في أمره ليس له سوى انتظار الفتوى . والسنّي يرى نفسه اليوم في خسارةٍ صافية . فلا ظهير له، لا أمريكا، ولا إيران، ولا الحكومة ، وحكّام العرب خرسان طرشان عميان إلا من رحم ربي.
في ظل هذه المحنة الكلُ يغنّي في وجه السراب: ( بس نخلص).
ولم تكن أمريكا غافلة عن كل ذلك.. إن لم تكن قد دبّرت كل ذلك . والكلام المفيد أن الشعب مسكين .. مسكين .. مسكين .. ومثله في ذلك مثل من يأكل ورق الشجر تصبيراً على جوع ، فلا هو يتغذى ولا أمعاؤه تسكن .
وإلا فأخبروني صدقاً.. هل أسعد قاسم شعبه عندما نادى الشيوعيون : وطنٌ حرٌ وشعبٌ سعيد؟ وهل تحرر الناسُ في زمن البعث أيام الوحدة والحرية والاشتراكية؟ وأيّ جديدٍ رأى العراقيون في العراق الجديد حين نادى المظلومون اليوم يثأر المظلوم من الظالم، وهل ثأروا منه أم تركوا الباب مفتوحاً ليبطش المجرمون من الشعب كله؟
أقول هذا ليس لكي أوصل رسالة ما باتجاه الاتفاقية سلباً أو إيجاباً ، فقد تحفظنا عليها وانتهى الأمر ، لأنها على وفق شكلها الحالي لا جدوى منها .. فما دام المعتقل البريء سيغادر السجن الأمريكي إلى القمقم العراقيّ ، وما دام المهجرون لا يعودون ، وما دام العراق لن يحمى من دول الجوار ، وما دام الجنديّ الأمريكيّ يسير بطوله وبحصانة كاملة .. والحكومة العاجزة وغير المتوازنة تطلق يديها على أبناء شعبها فحسب ، فأيّ اتفاقية هذه ؟ أقول : رسالتي غير هذا .. بل أريد أن أقول لشعبي الذي - والله - أرثي لحاله ، وهل أنا إلا منه؟ .. إخوتي وأخواتي .. صبرتم كثيراً فلا تأكلوا ورق الشجر لأنّ الرزق لا بدّ أن يأتي بصبركم . وقد قلت مراراً إنّ العلة ليست في الاتفاقية فحسب بل بالنفوس العراقية المريضة المرتابة التي تريد أن تفرض الأمر الواقع غير عابئة بمصير الأمة ، وإلا فهل تجدي اتفاقية لا يزال موقعوها محتربين ومتنافسين على لعاعة من الدنيا تافهة لا قيمة لها ؟ أين كركوك اليوم؟ أليست على حافة بركان؟ أين الموصل الحدباء الغنّاء؟ أليست أثراً بعد عين؟ أين البصرة الفيحاء ؟ أليست تباع اليوم في سوق النخاسة باسم إقليم مستقل؟ أفي هذه الأجواء نوقع الاتفاقية؟ أم نتصالح كما قلنا ألوف المرات وكررنا ونبقى نكرر؟
 أيها الناس لقد وقع وزير الخارجية الاتفاقية ، وهو خبر ، وثمة ما وراء الخبر !! .

****

لماذا تقدم الغرب وتخلفنا ؟ /  أ. بهاء الدين النقشبندي

الاسلام دين التقدم والتطور، يدعو الى ذلك في اشد الاوقات قرباً الى الله وهي اوقات الصلوات والعبادات، هل سمعتم بدين يقرأ فيه المتعبد عبارات تتعلق بنظام الإرث او قضايا النكاح او غيرها من امور الحياة الاخرى.
اي دين عظيم هذا يربط بين النظام الروحي والنظام المادي للانسان بمثل هذه الطريقة .
انا اجزم هنا انه ليس هناك دين بمثل هذه المواصفات.
من المعروف ان قرآننا العظيم وهو كتاب التعبد الاول عند المسلمين يضم بين دفتيه ما يقرب من (20%) فقط من الآيات التي تتعلق بامور العقيدة والعبادة والاخلاق بينما تنصرف (80%) من الايات الى امور المعاملات والعلاقات بين الناس والسياسة والشؤون الحياتية الاخرى.
هذا هو اسلامنا العظيم، لكننا بأفعالنا جلبنا لهذا الدين الرائع صفة الرجعية والتخلف.
لقد تقدم الغرب لأنه طبق سنن الحياة كما ارادها الله تعالى ، وهي سنن حث عليها ديننا في وقت تركنا نحن فيه هذه السنن فكان مآلنا الى التراجع والانحسار، لقد كان نقد الذات والاعتراف بالاخطاء وتحمل المسؤولية من العناصر الاساسية التي عملت على تبوأ الغرب مركز الصدارة وهي اساسيات في ديننا لكننا تركناها-مع الاسف- في الاسلام هناك وردت المحاسبة او عبادة المحاسبة وهي شكل متقدم من اشكال نقد الذات، قال صلى الله عليه وسلم : (حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا، وزنوا اعمالكم قبل ان توزن عليكم)، فهل عملنا بذلك وحاسب كل منا نفسه ؟!.
- الاعتراف بالخطأ منهج اسلامي وآيات الاستغفار في قرآننا اكثر من ان تحصى.
قال (صلى الله عليه وسلم): (توبوا الى الله واستغفروه فإني اتوب في اليوم مائة مرة).
-نقد الحاكم ومحاسبته من اعلى الدرجات عند الله ، قال (صلى الله عليه وسلم) : (سيد الشهداء حمزة ،ورجل قام الى امام جائر فأمره ونهاه فقتله).
-الاسلام دين التفكر والنظر في الكون والاستقصاء ، قال تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ).
-الاسلام دين الحوار وقبول الرأي الآخر حتى مع الشيطان، والحوارات بين رب السموات والارض وبين الشيطان الرجيم تمتد على مساحات واسعة في القرآن العظيم.
-و .. و، ولو شئت لاستغرق هذا العمود كل مساحة الجريدة، بعد كل هذا نقول: هل عرف سبب تقدمهم وعوامل تأخرنا؟.
 كان الشيخ محمد عبده يقول عن رحلته الى باريس: "لقد رأيت في باريس الاسلام ولم ار المسلمين ، وفي بلادنا مسلمون بدون اسلام" .

****

ثقة تُنحَر /   د. عمـــــــار وجيه

لطالما يستثار الناس من تصريحات أو أعمال غريبة تظهر على لسان أو يد بعض من لهم سلطة .
ثم ما يلبثُ ذلك المسؤول أن يعالج السخط والاستغراب بعبارات رنانة إلى أن تزول الزوبعة .
وكم كان الجمهور يحزن عندما تتناهى إلى سمعه عبارات كردية تدعو إلى الانفصال تصريحا أو تلميحا .وكم كان يُستفز من حنين البعض وتباهيهم بالميل إلى إيران أكثر من غيرها من دول الجوار .
 واليوم يفاجأ الناس بتصريحٍ مسؤول يصدر عن مسؤول ، يدعو فيهِ بين قوسين إلى مركزية الدولة !! وهو مصطلح لا ريب يدغدغ مشاعر العراقيين الذين ورثوه عن النظام السابق بحالة اللاشعور على اعتبار انه يتصل ذهنيا بمفهوم الضبط والربط والأمل بعودة الاستقرار، وهو ما يحتاج إليه غالب الناس في العراق.
غير أن إطلاق هذه العبارة اليوم له استحقاقاته، إذ لا يعقل مثلا لو قال شخص ما : إننا قادرون على نشر الإسلام في الصين بعد سنتين، وكذلك الحال عندما ننادي الى العودة إلى الحكم المركزي بعد أن أمسى العراق شذر مذر.
كيف يمكن ان نعود إلى المركزية بعد أن صدحت غالب أطياف المعارضة وبأعلى صوتها مرارا وتكرار ، في كل وقت وفي كل حين بأن النظام المركزي نظام شمولي فاسد لا يصلح للعراق؟ والطريف إنهم يرددون عبارة ( الموزاييك) العراقي والتي جعلتني اكره كاشي الموازييك برغم برودته في الصيف لكثرة تردادهم لها .
كيف نعود إلى المركزية بعد ان تعاونت تلك القوى مع سلطة الائتلاف في اجتثاث الجيش والشرطة العراقيين؟ ومن لم يجتث بالتهجير اجتثته المجاميع الخاصة بالاغتيال .
كيف نعود إليها بعد أن انحازت الأحزاب الشيعية والكردية إلى طوائفها وتعاونوا على تهميش ممثلي السنة حتى تركوا الناس كالأيتام في مأدبة اللئام ؟
كيف نعود إليها وقد شهدنا انفلاتا امنيا ينحر الشعب نحرا وفسادا ماليا وإداريا قل نظيره في العالم ؟ والحكومة يومئذٍ تسكر على أنغام الرومانسيات والشعارات الزائفة التي لا رصيد لها على ارض الواقع ؟
كيف نعود اليها بعد ان فشلنا في إعادة أربعة ملايين مهجر إلى ديارهم ؟
وكيف نعود اليها بعد ان طهرت وزارات مهمة من الموظفين الاكفاء من غير ذوي الانتماء ؟.
ثم اي مركزية اليوم إذا كان الكرد في الإقليم قد استلموا نسبتهم وشرعوا بتأسيس مشاريعهم وطوروا وزارتهم ليبدؤا بحملة إعمار واسعة ترى هل سيستجيبون لكم ؟
أم إن المركزية على (ولد الخايبة فقط) اذا كان هذا هو المعنى المقصود فالمركزية اليوم موجودة وبأعلى أشكالها ، ابتداءاً من التوقيع الصغير وإنتهاءا إلى المرسوم الكبير .
لقد تأخرتم كثيرا في تصريحاتكم أيها المسؤولون . أما كان لكم أن تتدبروا الموقف الناضج للحزب الإسلامي العراقي حين نادى بأعلى صوته(حكومة ٌ قة ومزيدٌ من الصلاحيات للحكومات المحلية) أليس الفرق واضحا بين مفهوم القوة والمركزية ؟ إن مصيبتنا اليوم ليست في غياب المركزية بل في فقدان الثقة ، وعلى المسؤولين جميعا مراجعة أنفسهم والاستعلاء عن جراحات الماضي ، فالعيش في ظلال العقد ليسوي من شان الراشدين . والعيب كل العيب أن لا تجد في بلاد الرافدين ذات الأغلبية المسلمة رجلا مثل نيلسون مانديلا .اليس هو الرجل الذي آثر أن يفوت بعض مصالح جمهوره الخاص لأجل الجمهور العام؟
هل نادى نيلسون مانديلا إلى الحكم المركزي أم كرس المصالحة قولا وفعلا؟ أن ثقافة التواثق والمسالمة بين الناس إذا انتشرت من جانب ، وعملنا على إصلاح ما افسد الآخرون وسعينا لتعديل الدستور من جانب آخر ، فإننا نرجو أن ينظر الله إلينا بعين رحمته قبل أن تنحر الثقة نحرا يوم لا ينفع الناس مركزية ولا فيدرالية .

****

Change /  أ. بهاء الدين النقشبندي

تعودنا ان نتداول الاسماء الاجنبية للأدوية وما يتعلق بالطب والصحة، وربما ظن شخص ما ان كلمة change هي اسم لدواء للصداع أو آلام المعدة وغيرها من الاوجاع - عافاكم الله - واقول هنا ان هذه الكلمة هي فعلا دواء، وليس كذلك فحسب، وانما هي دواء لكل امراضنا التي تزداد يوما بعد آخر حتى توشك ان تهلكنا.
لقد استخدم اوباما كلمة التغيير في حملته الانتخابية فكانت إكسير النصر والتفوق الساحق، وقبل ذلك استخدم بيل كلنتون هذه الكلمة السحرية، فكان انتصاره الساحق على جورج بوش الأب عام 1992، في وقت كان الاخير في أوج قوته وعنفوانه وسطوته، إنها اذن سر النجاح وطريق الفوز.
التغيير قانون وسنة إلهية لتحقيق دوام الحياة وتلافي جمودها وركودها ، فالركود مآله التعفن والفساد مثل الماء الراكد ، كما في البيت الشعري للشافعي رحمه الله :

ان ساح طاب         وان لم يجر لم يطب

لقد علمنا أسلامنا العظيم ان نعتمد منهج التغيير في كل حياتنا ابتداء من نفوسنا، بل من اعماقنا، قال تعالى:" إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ".
والملاحظة المهمة في هذه الآية الكريمة ان الله عز وجل يقول (ما بقوم) و(ما بأنفسهم) ولم يقل (ان الله لا يغير قوما حتى يغيروا انفسهم)، وهذا يعني ان التغيير يجب ان يصل الى دواخل انفسنا ولا يقتصر على تغيير الخارج او المظهر او الشكل فقط.
ان نتقدم فليس امامنا الا طريق التغيير في كل شيء عدا ثوابت العقيدة والعبادات والاخلاق.
لقد رأينا الأمم التي سلكت سبيل التغيير والتطوير وقد وصلت الى مقدمة الركب الحضاري، بينما لا تزال الأمم الجامدة تجر اذيالها في المؤخرة، ولن تبلغ المراتب الاولى الا بالتغيير ولا شيء غير التغيير .

****

أوباما والتغيير  .. أم نحن والتغيير ؟ /   د. عمار وجيــه

 CHANGE .. أمس الأربعاء الخامس من تشرين الثاني 2008 . . أوصل شعار التغيير السيناتور أوباما إلى البيت الأبيض ، وهو شعار براق استهوى الشعب الأمريكي الذي أحس أكثر من نصفه بالملل من السياسة الأمريكية لأمر ما .. ربما للتخلص من خطيئة ولعنة التمييز العنصري التي التصقت بهم قروناً .. ربما لتغليب الروح العسكرية على غيرها .. ربما لفلسفة المحافظين الجدد .. ربما للأزمة الاقتصادية التي تعصف بالعالم .. أو لسخط المجتمع الدولي على ما يحدث في العراق وأفغانستان وغوانتانامو .. وربما وهو الأهم عند الأمريكان حباً للتغيير والتجديد .. وهو فطرة بشرية ..  وأياً كانت قدرة أوباما على التغيير فإنّ التحدي قادم والتغيير قادم . ومن الصعوبة التكهن بمدى قدرته على إصلاح الحال في الدول المحتلة .. ومن الصعوبة التكهن بمدى قدرته على رفع رأس الولايات المتحدة أمام العالم بعد المجازر والدمار اللذين حصلا في العراق وأفغانستان .. ومن الصعوبة التكهن بقدرته على التفلت من القبضة اليهودية في أمريكا .. وهل ينتصر أوباما للديمقراطية والعدل في دول العالم الثالث ؟ أم يمهـّد لهيمنة شرق أوسطية لهذه الدولة أو تلك من باب التغيير ؟ هل يعيد التوازن في العلاقات الأمريكية الآسيوية ويخفف تبعات وبقايا الحرب الباردة و

 

 

 
بحث    
القائمة البريدية    
اشترك بالقائمة البريدية