الرسالة التاسعة والخمسون للحزب الإسلامي العراقي
إلى الشعب العراقي الباسل وإلى الأمة العربية والإسلامية نقدّم تهانينا وتبريكاتنا بعيد الأضحى المبارك للعام الهجري 1428 داعين المولى عزّ وجل أن يصلح شأننا ويوحّد كلمتنا ويحرر بلدنا ، ويعيد حجاجنا إلى ديارهم سالمين غانمين إخواناً متحابين مغفورةً لهم ذنوبهم وخطاياهم .
ونقدّم بعد هذه التهنئة المباركة الرسالة التاسعة والخمسين للحزب الإسلامي العراقي وفيها ثلاثة محاور :
مع نفحات الحج نستذكر وثيقة مكة
كما تذكرنا وثيقة مكة المكرمة في الثامن والعشرين من رمضان الماضي حيث مرّ على تلك الوثيقة عام كامل ، فإننا نستذكرها مرة أخرى وقد أفاض الحجاج قبل ساعات من عرفات مغفوراً لهم بإذن الله وآن لهم ولنا أن نجدد التغافر والتسامح في ما بيننا ، وأن نتذكر خطبة النبيّ (صلى الله عليه وسلم) في حجة الوداع التي قال فيها :( ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).
تذكـُرون أيها العراقيون عندما وقـّع جمع من علماء العراق شيعة وسنة وثيقة مكة المكرمة عند المسجد الحرام وتعاهدوا فيها على نبذ التكفير ، وحرمة دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم ، وحرمة دور العبادة من مساجد وحسينيات ، والنهي عن القتل الجماعي ، وإعانة المظلوم ، والضرب على يد الظالم مهما كان شكله وجنسه ومذهبه ، وحث الحكومة العراقية على العمل على إنهاء المظالم ، وفي مقدمتها إطلاق سراح المختطفين الأبرياء ، وإعادة المهجرين إلى دورهم وأماكنهم الأصلية ، وكذلك القيام بواجبها في حماية الشعب العراقي ، وإقامة العدل والمساواة بين أبنائه ، وإطلاق سراح المعتقلين الأبرياء ، والإعمال الدقيق لمبدأ المساواة بين المواطنين ، ثم التوجه بنيّة صادقة مخلصة لتحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية الشاملة عملاً بقوله تعالى
( والصلح خير ) .
فهل تحقق ما وقع عليه العلماء ؟ ! بالتأكيد لا ، وذلك لأنّ ما أنجز لا يزال دون مستوى الطموح ومازال الأمل معقوداً بذوي المروءة من العراقيين لإكمال المطلوب دون مزيد من التردد او الانتظار.
إننا اليوم نستقبل عيد الأضحى المبارك فهل نحن على استعداد أن نجعل العيد عيدين ، عيداً للأضحى ، وآخر للتوافق والاتفاق بين جميع الأطراف والوقوف يداً واحدة لبناء العراق من جديد على أسس المواطنة الصحيحة والولاء للوطن والتعددية واحترام الآخر ؟ .
وفي هذه المناسبة ندعو جميع العراقيين إلى الاعتصام بحبل الله المتين ووحدة الكلمة والتغافر مهتدين بقوله تعالى ( فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين ) .
أين العفو العام ؟
لم يكن مستغرباً من الجمهور العراقي بكافة أطيافه أن يصاب بالإحباط عندما سمع تصريحات الناطق الرسمي للحكومة وهو يتحدث بما يـُشبه إفراغ مبادرة العفو العام من محتواها .
إذ كان من المفترض أن ينتظر ذوو المعتقلين المسجلين وغير المسجلين الإفراج عن أبنائهم ليلة العيد ليكون العيد عيدين . إلا إن ما صرح به السيد الدباغ كان بمثابة صدمة لهم حيث أشار إلى أن الإجراءات سوف تستغرق وقتاً وقد لا تنجز قبل العيد ، واستثنى المحكومين منهم بزعم أن هنالك حقاً لذوي المجنى عليهم وأنهم هم أولياء الدم كما أنه ركز على المعتقلين في السجون الامريكية ليرمي الكرة في ملعبهم فحسب على اعتبار أنهم يمارسون الاعتقال الجماعي وكأن القوات الأمنية العراقية لم تفعل ذلك وإلا فكيف ازداد عدد المعتقلين في السجون العراقية على سجون الاحتلال ؟.
ونحن في الحزب الإسلامي إذ نعرب عن أسفنا لتراجع الحكومة عن وعدٍ قطعته على نفسها أمام شعبها ثم تنصلت عنه بمهارة ، فإننا في الوقت نفسه نشير إلى جملة معطيات تتعلق بفحوى الجريمة ومعنى العفو العام وغير ذلك .
إذ من المعلوم لدى الجميع أن معظم أحداث العنف كانت من قبيل الجرائم السياسية وأن دولاً وأحزاباً قد وقفت وراء من مارس القتل والتهجير والتخريب ، وأن هؤلاء ليسوا سوى أدوات ، لذا فليس من الصواب توصيف هذه الجرائم وكأنها جرائم قتل عادية وأن ولي الدم هم ذوو المجنى عليه . ومن المفترض أن تكون الحكومة هي ولية الدم وحين ترى المصلحة في إطلاق مبادرة العفو العام فإنها تستطيع أن تقوم بتعويض أولياء المقتولين تعويضاً مادياً ومعنوياً يخفف عنهم مصيبتهم ويـُقرّبهم إلى العفو عمّن ظلمهم ، خصوصاً إذا أثمر العفو العام استقراراً وتقدّماً في مسيرة المصالحة ، وإذا كانت الحكومة تريد أن تقيم العدل فهل تملك الجرأة والارادة لتقدم المتورطين من أفراد القوى الأمنية والأحزاب السياسية المتورطين بالقتل والتهجير الى العدالة ؟ ولماذا لا تعاقب السجّانين الذين تورطوا بجرائم التعذيب والقتل والاغتصاب داخل السجون والذين تعمدوا تأخيرالنظر بمعاملات المعتقلين شهوراً بل سنين ؟ .
إن الذي حدث في العراق هو اقرب إلى الإحتراب منه إلى القتول التي تجري بين الناس وإن معاييره السياسية وأحكامه القانونية تختلف عن معايير وأحكام الجرائم الاعتيادية .
ثم إن العفو لا يكون إلا على المسيء ولا معنى من إطلاق ذلك المصطلح على من هم أبرياء أصلاً حيث كان يجب الإفراج عنهم منذ وقت طويل وتعويضهم اصوليا وهذا وللأسف لم يحصل .
وحين ندعو إلى العفو فلا يعني أننا ندعو إلى تبييض السجون وإطلاق سراح المجرمين الذين قادوا حملات القتل الجماعي والتهجير وحرق دور العبادة والاعتداء على النساء والأطفال والشيوخ وغير ذلك ، فهؤلاء يجب أن ينالوا العقوبة التي يستحقونها .
نذكـّر الحكومة أخيراً بقوله تعالى : ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) فإذا كان الهدف من العقوبة الردع الذي يحيي الأمة حياة طيبة من دون جريمة ، أليس في العفو والمصالحة حياة للأمة أيضاً ؟ وهل يجوز القصاص لمجرد اشباع رغبات ونوازع لاحد لها في الثأر والانتقام و تحقيق مكاسب سياسية موهومة ؟
لقد انفردت الحكومة الحالية بما لم تنفرد به اية حكومة عراقية سابقة ومنذ تاسيس الدولة العراقية ولا نريد اليوم أن نكشف المستور بتفاصيله فلكل اجل كتاب ، ولكن الحكومة بتنصلها عما وعدت به تضيف إلى سجلها بعدا جديدا هو عدم اكتراثها بإدخال المسرة الى قلوب العراقيين في يوم فرحة ، بل ان جميع الحكومات السابقة حتى القمعية منها كانت تصدر سنوياً وبالمناسبات المختلفة عفواً عن السجناء والمحكومين !!
وهنا نريد ان نسجل إشارة ذات مغزى تتعلق بما يشاع ويقال في الاعلام بأن الحكومة راغبة بل وحريصة على عودة وزراء جبهة التوافق ..... وهي عندما تتردد في الايفاء بالمطلب الاول المعني بالعفو العام وهو يقع ضمن امكاناتها وصلاحياتها هل بقي شك في ان الحكومة والقائمين عليها لا رغبة لهم إلا الانفراد بالسلطة دون منازع او شريك او رقيب ؟.
أما الحزب الإسلامي العراقي فسيبقي ملف حقوق الانسان مفتوحا حتى يأذن الله بالفرج يتابعه بهمته المعهودة ويدق ابواب الدنيا كلها ولا يضره من خالفه ولايعبا بغضب الغاضبين ولايلتفت اليهم.
البصرة بعد استلام الملف الأمني
لا احد من العراقيين إلا يتمنى الساعة التي تستلم فيها القوات المسلحة العراقية الملف الأمني كاملاً في المحافظات جميعاً ، إلا إن هذا الاستلام مرهون بطبيعة هذه القوات ومدى وطنيتها وتجردها عن الولاء للحزب أو التيار ، ومرهون أيضا بما تقدّم تلك القوات إلى أبناء شعبها .
وفي هذه المناسبة ونحن نهنئ القوات العراقية في البصرة على استلام الملف الأمني فإننا ندعوهم إلى السيطرة الكاملة على الأمن في المحافظة والذي يعني الحد من جرائم المليشيات ووقف التهجير الطائفي وإعادة كافة المهجرين إلى المحافظة والأخذ على يد المفسدين الذين يسرقون ثروات العراق وخصوصاً النفط مهما كانت الكميات المسروقة لأن الأصل هو المبدأ ، ومن يسرق برميلاً يسرق ألفاً .
وأخيرا وليس آخراً يجب محاربة المتطرفين من أعضاء المليشيات الذين يقومون بقتل النساء اللاتي بلغ عددهنّ وفق ما ذكرته التقارير أكثر من أربعين امرأة ، كما ثبت إنهم يكرهون الفتيات وبضمنهم المسيحيات على الحجاب وليس ذلك من حقهم حيث لا إكراه في الدين وليس من الصواب أن نكرر التجارب الفاشلة للدول التي سبقتنا وفرضت ثقافات وسلوكا على الناس دون اقناع .
إن المطلوب من المرجعيات اليوم أن لا تتأخر في إصدار فتاوى بتحريم قتل النساء بل ينبغي أن تقوم تلك المرجعيات بدورها في توعية الناس وتوجيههم نحو الالتزام والفضيلة بدلاً من ترك الساحة للمليشيات تسيء إلى سمعة الإسلام والمسلمين .
المكتب السياسي للحزب الإسلامي العراقي
في يوم عرفات التاسع من ذي الحجة 1428 هـ
الموافق الثامن عشر من كانون الأول 2007 م